بقلم : نوال السعد
من لطيف المحبة الصادقة أن صاحبها لا يقف عند حدود التقليد، بل يتجاوز ذلك إلى تتبع النيات ومقاصد القلوب. فالمحب لا يسأل محبوبه: ماذا فعلت؟ فحسب، بل يسأل أيضًا: ماذا أردت؟ وماذا تمنيت؟
ويتجلى هذا المعنى بوضوح في صيام يوم التاسع من المحرم (تاسوعاء).
- نيةٌ لم تُدركها الأيام
في آخر حياته ﷺ قال: «لَئِنْ بَقِيتُ إلى قابلٍ لأصومنَّ التاسع». كانت نيةً عزم عليها، وقصدًا أراده، لكن الأجل حال دون ذلك. فلم يدرك النبي ﷺ صيام التاسع، غير أن نيته الشريفة بقيت هاديةً لأمته ودالةً على مقصده.
- أمةٌ تحقق مراد نبيها
هنا وقفت الأمة المحبة موقف الوفاء؛ فلم تكتفِ بصيام عاشوراء وحده، بل ضمّت إليه صيام التاسع امتثالًا لتوجيه النبي ﷺ واتباعًا لما أراده. وكأن لسان حالها يقول: يا رسول الله، قد دللتنا على هذا الخير، فسرنا على هديك، وتمسكنا بسنّتك.
فصار صيام التاسع عبادةَ قلبٍ قبل أن يكون عبادةَ جوارح؛ صيامَ محبةٍ ووفاء، وصيامًا يربط الأمة بنبيها ﷺ حتى بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى.
- درسُ الاتباع الحقيقي
يعلّمنا تاسوعاء أن الاتباع ليس مجرد تكرارٍ للأفعال، بل إحياءٌ للمعاني واستحضارٌ للمقاصد. فالفرق بين من يصوم عاشوراء وحده، ومن يصوم التاسع معه، هو فرقٌ بين من يقف عند ظاهر الفعل، ومن يتأمل ما وراءه من الحكمة والمعنى.
الأول أدى عبادةً مشروعة، والثاني جمع إلى ذلك حرصًا على كمال الاتباع وتحقيق المقصود.
الخاتمة
لم يُدرك النبي ﷺ صيام التاسع، لكن أمته ما زالت تصومه عامًا بعد عام؛ محبةً له، واتباعًا لهديه، وحرصًا على الاقتداء بسنته.
فاللهم اجعلنا من أتباعه الصادقين، الذين يحبونه أكثر من أنفسهم، ويتحرّون هديه في كل صغيرة وكبيرة.
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾
فالمحبة الصادقة تبدأ من الاتباع، والاتباع يبدأ من تعظيم السنة والعمل بها.
………………..
نوال السعد
المنطقة الشرقية- الدمام
المملكة العربية السعودية
@snaaa_team

