من يمتلك مفاتيح ذاتي؟ عن حبسة الكاتب

بقلم/ سجى ال رحمه

أكتب بشكل يومي ومنتظم، وحتى في الأيام التي أفقد فيها شهيتي للكتابة، أحاول أن أفتح تطبيق الملاحظات في هاتفي ، وأدوّن ما يجول في خاطري، أسأل نفسي: كيف كان مزاجي عندما استيقظت؟ هل كان جيداً وروحي ممتلئة بالحماسة لبدء يوم جديد؟ أم كان محايداً؟ فأحاول أن أرسم ملامح يومي في ذهني، باحثة عن نقطة صغيرة من الحماس تمدّني بقدر ضئيل من الدوبامين الذي يعيد إليّ الشغف، ويدفعني للانطلاق في يوم يبدو منذ ساعاته الأولى بأنه مشبع بالعادية.

ومع ذلك، تمر عليّ أيام تفقد فيها الكتابة قدرتها على استدعائي، أفتح تطبيق الملاحظات، أجلس لثوانٍ أحدّق في الشاشة، أحاول أن أكتب شيئًا… أي شيء، لكن لا رغبة ولا طاقة لي، ولا حتى جملة أولى يمكنها أن تقودني إلى ما بعدها فأغلق الهاتف، وأمضي في يومي على أمل أن يعود إليّ ذلك الشغف غداً… أو ربما بعد غد.

وللقراءة قصة لا تختلف كثيراً..

منذ سنوات، قطعت عهداً على نفسي أن تتحول القراءة من طقس يُمارس في أوقات الفراغ والعزلة، إلى التزام يومي لا يقبل المساومة، لا أعلم إن كان ذلك القرار صارماً أكثر مما ينبغي، لكنني لو عدت إلى تلك اللحظة لصفّقت لذلك الإصدار القديم مني الذي اختار الانضباط على المزاج.

ومع مرور الوقت، أصبحت القراءة عادة راسخة، لم أعد أستطيع التهرب منها، ولا هي استطاعت أن تفلت مني.

لكن حتى أكثر العادات رسوخاً تمر عليها أيام من الفتور..

أفتح الكتاب، فتتنقل عيناي بين السطور، بينما يعاندني تفكيري بالقفز إلى أفكار لا تستحق كل هذا الانتباه: ماذا سأعدّ لوجبة الغداء؟ ماذا لو نفذت تلك القطعة التي كنت أنوي شراءها، وأصبحت “Sold Out” قبل أن أصل إليها؟

أحاول أن أمسك بانتباهي وأعيده بهدوء إلى الصفحة، بعيداً عن وصفات الطبخ ومقتنيات المتاجر لكن دون جدوى، وفي النهاية أستسلم، أغلق الكتاب، وألجأ إلى بديل آخر أكثر لطفاً على ذهني، كتاب صوتي، أو لقاء حواري، أو محاضرة ثقافية، فقط لأتمكن من إطعام عقلي اليوم بوجبة معرفية حتى وإن عجزت عن القراءة.

وذات مرة، أصابتني حبسة الكاتب!

توقفت عن كتابة أي مقال لعدة أسابيع، استغربت وحزنت قليلًا ، فقد أحببت الكتابة دائماً، ولم أشعر يوماً أنني أعاني فقراً في الأفكار، أو عجزاً لغوياً يهدم الفكرة قبل أن تولد على الورق.

أتذكر أنني يومها انصرفت لقراءة عدد من المدونات الشخصية، وتنقلت بين ما يقارب خمس مدونات، حتى مضى الوقت دون أن أشعر.

لطالما وجدت في هذا النوع من الكتابة متعة مختلفة؛ مدونات تتحدث عن تفاصيل الحياة اليومية وهواجيس ظريفة، وتأملات صغيرة في الحياه، نصوص لا تتكلف البلاغة، ولا تسعى إلى إبهار أحد، بل تكتفي بأن تكون صادقة.

وما إن انتهيت من القراءة حتى شعرت بجوعٍ شديد للكتابة.

تناولت جهازي المحمول، وفتحت تطبيق الكتابة، وانهمرت الكلمات بلا توقف، كان شيء ما قد أزاح ذلك السد الذي حبس إلهامي، فعادت المياه إلى مجاريها، بل عادت أقوى مما كانت.

أدركت يومها أن الكتابة والأفكار لا تنضب، لكنها تحتاج إلى أن تُسقى بما يشبهها، وأن أكثر ما يوقظ رغبتي في الكتابة ليس البحث عن الأفكار، بل القراءة التي تُلهمني حقاً، وتحديداً القراءة في المدونات التي تشبه الإنسان في بساطته أكثر مما تشبه الكتب في رسميتها.

وبالطريقة نفسها، عندما أصابني فتور في القراءة، وجدتني أتعمد حضور الندوات الثقافية، والجلسات الحوارية، واللقاءات التي تدور حول الأدب والكتب والروايات، كنت أخرج من كل لقاء وكأن أحداً قد أعاد إشعال فتيل صغير بداخلي، حتى عادت القراءة إليّ تدريجياً، ثم أصبحت أكثر حضوراً وشغفاً مما كانت عليه.

حينها فقط أدركت أن لكل واحد منا مفاتيحه الخاصة..

عرفت أن مفتاح عودتي إلى الكتابة هو القراءة، وأن مفتاح عودتي إلى القراءة هو الاستماع إلى من يتحدث عنها بشغف، لم تكن المشكلة يوماً في أنني فقدت قدرتي على اياً منهما، بل في أنني ابتعدت قليلًا عن المنابع التي تغذيها.

ومنذ ذلك الوقت، لم أعد أقلق عندما يتملكني الفتور، سواء في القراءة أو الكتابة، كل ما في الأمر أنني أصبحت أعرف الطريق إلى نفسي، وأعرف جيدًا أين أخبئ مفاتيحها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top