الدمام – بقلم/ سجى ال رحمه
اشتدّت حرارة الطقس في الأسابيع الأخيرة، وأصبح الخروج في عطلة نهاية الأسبوع خلال ساعات النهار خياراً شبه مستبعد
ويبدو أن جميع خطط الويك إند ستتحول إلى الفترة المسائية..
أما أنا، ففي يوم الجمعة تحديداً أحب فترة ما بعد الظهيرة، وقت مابعد وجبة الغداء، حين أجلس مع والدي الحبيب لنقضي وقتنا المعتاد أمام شاشة التلفاز.
كان يترك لي والدي مهمة اختيار ما سنشاهده، فيلماً كان أو مسلسلًا أو ربما حلقة من أحد برامج البودكاست، يناولني الريموت كنترول ويقول مبتسماً:
“اختياراتك تفوز… اختاري أنتِ”
كانت جملته تقنعني، أو ربما تمنحني شعوراً بالمسؤولية، فأجتهد في البحث عن فيلم أو برنامج أظن أنه سينال إعجابه، لكن في الأشهر الأخيرة تغيّرت الخطة تماماً، لم نعد نفكر طويلًا أو نحتار فيما سنشاهد، بل أصبحت وجهتنا واضحة، وثابتة، ولا تكاد تتغير.
أتذكر قبل عدة أشهر أنني كنت أتنقل بين قنوات يوتيوب حتى استوقفني “فلوق” سياحي يوثق رحلة سفر إلى إيطاليا، ابتداء من لحظات تجهيز الحقائب، ثم المطار، وصولًا إلى الوجهة.
لطالما أحببت إيطاليا، واستهوتني ثقافتها، ووضعتها منذ سنوات في قائمة الدول التي سأزورها مستقبلاً بإذن الله..
ومع ذلك المقطع، أخذنا الرحالة برفقته إلى هناك.
صرنا نسير في الشوارع الإيطالية كأننا جزء منها، عانقت أنفاسنا رائحة القهوة، وتذوقنا الإسبريسو الإيطالي، ثم انتقلنا إلى مطعم صغير يقدم البيتزا النابولية والباستا الشهية، قبل أن نختم الرحلة بقطعة من كعكة الماريتوتسو الإيطالية الشهيرة المحشوة بكريمة بيضاء كالغيوم، وبعدها بكل تأكيد تناولنا الجيلاتو الإيطالي..
تجولنا افتراضياً بين الأزقة، وتأملنا المباني القديمة، وتوقفنا طويلًا أمام تفاصيل ربما لم يكن السائح العابر سيمنحها كل هذا الانتباه.
انتهينا من المشاهدة، فالتفت إليّ والدي وقال بإصرار:
“سجى حطي إيطاليا في القائمة… لازم نروحها”
في الأسبوع التالي جلست مع والدي في موعدنا المعتاد، نحتسي شاي الظهرية أمام التلفاز، فقال لي:
“وين بنروح هالأسبوع؟”
ابتسمت فوراً، وفهمت قصده، قلت له: “اليوم خلنا نروح النمسا”
اخترت فلوق سياحي لدولة النمسا وبدأنا نتابع، وامتدت رحلتنا بين شوارع فيينا التاريخية، وسميت فيينا بهذا الاسم تيمناً بأسمها القديم (فندوبونا) والذي يعني الهواء الجميل والنسيم العليل وهي كذلك بحق، حيث قصر شونبرون الرائع الأثري، ودار الاوبرا الساحرة ، وقلب فيينا النابض بالحياة ساحة ستيفانس بلاتز، ثم انتقل بنا المصور إلى سالزبورغ البهية، وانتهى بنا المطاف في زيلامسي الفاتنة.
ولأني كنت قد زرت النمسا من قبل، وجدتني أشرح لأبي الأماكن التي مررت بها، والحدائق التي مشيت بينها، وكأنني أستعيد رحلتي للمرة الثانية، وأخذت أخبره عن زيارتي لبيت الموسيقار موزارت، الذي تحول لمتحف يقع في وسط مدينة سالزبورغ حيث المبنى مميز ولافت للنظر من على بعد مسافات نظراً للونه الاصفر الفاقع ..
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت محطاتنا وجلستنا الأسبوعية تشبه رحلة، لاتحتاج إلى حقيبة، ولا إلى طائرة، نختار بلداً، ونترك الشاشة تأخذنا إليه، ثم نعود آخر المساء ونحن نحمل شيئاً منه.
في السفر، أو على الأقل في مشاهدة تقارير السفر، مساحة واسعة للتأمل، والانفتاح على ثقافات مختلفة، ورؤية العالم بعيون أكثر اتساعاً. قرأت مرة مقولة أعجبتني تقول: “تروق لي نفسي في باريس” ولم يقل صاحبها: “تروق لي باريس “أعجبتني العبارة كثيراً، لأنها لم تجعل الوجهه هي الغاية، بل الذات التي تتشكل فيها بصورة مختلفة.
فهناك مدن تمنحك هدوءاً غريباً فتجد نفسك تميل إلى الصمت، وإلى المشي بلا وجهة، وإلى مراقبة الحياة أكثر من المشاركة فيها. وفي المقابل
هناك مدن تضخ فيك شيئاً من صخبها، ومن موسيقاها، ومن نبض شوارعها، فتوقظ داخلك نسخة أكثر حيوية، وأكثر فضولاً،
وأكثر إقبالاً على التجارب.
ولعل هذا هو السبب الذي يجعلنا نعود من السفر مختلفين، حتى وإن لم نستطع تفسير ذلك الاختلاف، فنحن لا نكتشف البلدان فقط، بل نكتشف النسخ المختلفة من أنفسنا.
كما أحب في السفر فكرة التقاط التفاصيل الصغيرة، والاحتفاظ بها كتذكارات في مخيلتي، تلك التفصيلات الصغيرة التي قد تبدو عابرة لكنها هي التي تصنع ذاكرة المكان.
أن أحاول الإمساك بكل ما يمكن الإمساك به: بعيني، وبسمعي، وبحواسي كلها، رائحة المقاهي في الصباح، وطبيعة الطقس، وطباع الناس، والأطباق الشعبية، والموسيقى التي تنتمي إلى ذلك المكان، والمتاحف، وأسماء الشوارع، وحتى الطريقة التي يتماهى بها الناس مع بعضهم البعض.
كل تلك التفاصيل لا تعرفني على البلد فحسب، بل تعرفني على نفسي ايضاً، وكأن كل مدينة نمر بها تضيف طبقة جديدة إلى أرواحنا، وتعيد تشكيل ذائقتنا، وتوسع الطريقة التي ننظر بها إلى العالم.
ربما لهذا السبب لا نقيس السفر بعدد المدن التي زرناها، بل بعدد النسخ الجديدة من أنفسنا التي عدنا بها.
سجى ال رحمه

