ماذا بعد إصدار الكتاب؟

بقلم/ عبدالمحسن إبراهيم الشقاق

حين أصدرت كتابي، لم أشعر أنني وصلت إلى النهاية، فأنا موقن بأنني وقفت على أول درجات البداية لأنطلق. فالكتاب وحده ليس خط النهاية الذي أسعى من خلاله إلى التوقف عن تحقيق ما أصبو إليه واتمناه في مسيرتي، وإنما هو الإعلان الصريح بأن الحلم الذي ظل يسكن الروح سنوات، أصبح حقيقة يمكن للآخرين أن يلمسوه بين أيديهم.
كثيرون قالوا: لن تستطيع. وكثيرون ظنوا أن الحروف التي اكتبها لا تكفي لتصنع اسمي الأدبي، وأن الأحلام الكبيرة لا يكتبها إلا المحظوظون. لكنهم لم يروا تلك الليالي التي كانت الورقة فيها رفيقة الصبر، ولم يسمعوا المعارك التي خضتها مع نفسي قبل أن أخوضها مع العالم.
ولذلك، لم يكن إصدار الكتاب ردًا على أحد، بل كان إثباتًا لنفسي أولًا أن الإيمان بالفكرة أقوى من أصوات التشكيك التي كانت تلقى على مسامعي بين الحين والفين، وأن الكلمة الصادقة تستطيع أن تعبر كل الحواجز مهما بدت بعيدة.
لكن ثمة سؤالًا ظل يراودني ويحيرني بعد الإصدار:
لماذا نضطر أحيانًا إلى أن نرجو أقرب الناس إلينا أن يدعمونا؟
لماذا نطلب منهم أن يقرأوا، أو يشتروا، أو يشاركوا، أو حتى يلتفتوا إلى ما صنعناه بعد سنوات من التعب؟ ولماذا نراهم يدعمون غيرنا دون رجاء أو تكلف، بينما نقف نحن أمامهم وكأننا نطلب منهم شيئًا لا يعنيهم؟
لا أقول إن القريب ملزم بأن يحب كل ما نكتب، ولا أن يشتري كل ما نصدر، فالدعم ليس واجبًا مفروضًا، والذائقة لا تُفرَض على أحد.
لكن أليس من الجميل أن يكون القريب هو أول من يمد يده؟ أول من يقول: رأيت تعبك، وأعرف كم تعني لك هذه الخطوة، وسأكون إلى جانبك.
لماذا نبحث عن العون في الناس كافة، بينما نتمنى أن يكون أقرب الناس إلينا هم أول من يقف معنا؟ لماذا نضطر إلى شرح أهمية أحلامنا لمن نحب، في حين أنهم أكثر من يفترض أن يعرفوا كم كلفتنا هذه الأحلام؟
قد لا يحتاج الكاتب من أهله أن يشتروا كتابه جميعًا، لكنه يحتاج أن يشعر بأنهم يرونه. أن يلتفت أحدهم إلى ما أنجزه، أن يقول له: نحن فخورون بك. وربما تكون كلمة واحدة من قريب، في لحظة كان فيها الكاتب يشك في نفسه، أثمن من آلاف الكلمات التي تأتي من الغرباء.
أما الذين قالوا إن حروفي لن تصل إلى القمة، فأقول لهم: القمة ليست مكانًا أصل إليه ثم أتوقف، بل طريق أمضي فيه كل يوم. وما دام في القلب حرف اسموا به، وفي العقل فكرة اكتبها، وفي الروح شغف لا يتوقف، فإن الرحلة في عيني لن تنتهي.
ها أنا اليوم أصول وأجول بحرفي، لا أبحث عن التصفيق، بل أبحث عن أثر يبقى في قارئ أغلق الصفحة الأخيرة وما زالت كلماتي تسكنه. فالقيمة الحقيقية لأي كاتب ليست في عدد النسخ التي يبيعها، بل في عدد الأرواح التي لامسته كلماته.
ومن سيقرأ لي؟ وماذا بعد أن يقرأ؟ هل سيغلق الصفحة كما هي، أم سيحمل منها ما يغير شيئًا في داخله؟
وماذا بعد إصدار الكتاب؟
حتما سيكون…
المزيد من التعلم، والمزيد من الكتابة، والمزيد من الأحلام. لأن الكاتب الحقيقي لا يكتفي بكتاب واحد، ولا يقف عند نجاح واحد، الكاتب يجعل من كل إنجاز بداية لإنجاز أكبر.
إن رحلتي لم تبدأ حين نشرت الكتاب، بل بدأت يوم رفضت أن أصدق من قال لي ذات يوم: لن تستطيع.
واليوم أقولها بكل يقين:
ما دام بجعبتي حرف صادق، حتمًا سيجد طريقه إلى النور، وسيصنع قمته مهما طال الطريق.
وربما يكون الكتاب قد صدر، لكن الحلم لم ينته.
وانما هي بداية بأن يرى الناس ماذا كُتب في اعماق غابات روايتي.

للتواصل على صفحي في الانستغرام
Abdalmohsen.ebrahem
عبدالمحسن الشقاق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top