بقلم خالد العلي العنزي
يظن بعض الشعراء أن الإلهام يرحل فجأة ، وأن القصيدة التي كانت
تأتيهم برغبتها أصبحت تحتاج إلى عناءٍ طويل حتى تولد .
لكن …
هل يفقد الشاعر إلهامه حقًا؟
لعل الإلهام لا يغادر كما نظن
وإنما يتعكر شيئًا فشيئًا حتى يظن الشاعر أنه فقد النبع كله .
وأول ما يعكر ذلك النبع
أن يقيس الشاعر قيمته بميزانٍ لا يخصه
فيقارن بدايته بذروة شاعرٍ آخر ، وتجربته بتجربة من سبقوه
وصوته بصدى غيره .
وهل خُلقت المواهب لتتشابه؟
لو كان الشعر نسخةً واحدة لما بقي في الذاكرة إلا شاعر واحد
لكن لكل شاعرٍ روحه ، ولغته ، وتجربته ، ونافذته التي يرى منها العالم .
ومن هنا تبدأ حماية الإلهام
فالإلهام يحتاج إلى من يحسن حمايته .
يحميه من المقارنات التي تسرق الثقة ، ومن استعجال النضج
ومن استنزاف الموهبة في كل مناسبة ، ومن اللهاث خلف التصفيق
حتى يصبح رضا الناس أثقل من صوت القصيدة .
ولهذا
فليس المطلوب من الشاعر أن يكتب أكثر ..
بل أن يعيش أكثر
وأن يقرأ ليتعلم ، لا ليزدري ما يكتب .
وأن ينصت ليستمتع ، لا ليحاكم نفسه .
وأن يقارن نفسه بالشاعر الذي كانه بالأمس
لا بالشاعر الذي يسمعه اليوم .
فالإلهام ينمو في مساحةٍ من الصدق والهدوء والحياة .
فقد تتأخر القصيدة
لكن ذلك لا يعني أن الإلهام قد رحل
وإنما قد يكون أثقلته مقاييس ليست له
وأتعبته منافسات لم يُخلق لها .
ولعل الشاعر لا يحتاج في كل مرة إلى قصيدةٍ جديدة .
بقدر ما يحتاج إلى أن يحافظ على النعمة التي تكتبها .
ختامًا …
بهذا تنتهي هذه المقالات الثلاث ، التي لم تكن حديثًا عن الشعر
بقدر ما كانت حديثًا عن مسؤوليته وعن الشاعر الذي يحمله .
بدأتُ بالسؤال عن كيف يكون الشعر جميلًا .
ثم انتقلتُ إلى كيف يكون الشعر جديرًا بأن يرثه التاريخ .
وأختم اليوم بالسؤال الأهم :
كيف يبقى الشاعر جديرًا بالشعر ، محافظًا على إلهامه وفيًّا لصوته
أمينًا على النعمة التي يكتب بها ؟
خالد العلي العنزي

