بقلم خالد العلي العنزي
ليست كل سرقةٍ أدبية سرقةً للكلمات .
فالكلمات قد تتبدل ، والأسلوب قد يختلف ، غير أن الفكرة تظل تحمل
بصمة لحظة اكتشافها الأولى، وأثر العقل الذي اهتدى إليها قبل غيره.
وهنا يبرز السؤال :
هل تُسرق الكلمات حقًا ، أم تُسرق لحظة اكتشافها؟
إن السارق لا ينتزع الحروف من الورق .
بل يلتقط الفكرة بعد اكتمالها ، ثم يكسوها ثوبًا جديدًا، ويقدمها
للناس كأنها ثمرة رحلته الخاصة !
ثم يبرز سؤالٌ آخر :
لمن تُنسب الفكرة حقًا ؟
أإلى من أعاد صياغتها ، أم إلى من خاض رحلتها حتى اهتدى إليها أولًا؟
وهنا يتجلى الفرق بين المبدع وصائد الأفكار .
فالفكرة نهايةُ رحلةٍ طويلة ، اهتدى إليها المبدع بعد تأملٍ وبحث
ولم يرَ الناس منها إلا ثمرتها .
أما من يلتقط أفكار الآخرين
فإنه يقف عند نهاية الرحلة دون أن يعيش شيئًا من تفاصيلها .
فتغدو الفكرة المسروقة شهادة لقيمة مكتشفها أكثر من كونها اضافة لمن نقلها .
فالأفكار التي لا أثر لها تمضي بصمت ، أما الأفكار التي تبقى ، فتدل على
عقلٍ عرف كيف يرى ما لم يره غيره.
وما يميّز المبدع ليس جمال الفكرة وحده ، وإنما معرفته بالرحلة التي قادته إليها .
فالرحلة لا تُختصر ، ولا تُورث ، ولا تُسرق ، لأنها تُبنى بالصبر ، وتُنار بالمعرفة
ولا تكشف أسرارها إلا لمن صبر على وعثائها حتى بلغ غايتها .
قد يسبقك أحدهم إلى نشر ما وصلت إليه
غير أنه لن يسبقك إلى الوصول مرةً أخرى ، فمن عرف الرحلة عرف
كيف يبدأ رحلةً أخرى ،
ومن جعل الإبداع منهجًا ، لن تعجزه البدايات ..
ولا ينبغي للمبدع أن يطيل الوقوف عند من أخذ فكرته .
فالذي ينتقل بين الناس هو ثمرة الرحلة ، أما القدرة على خوض رحلة جديدة ، فلا تُسرق .
خالد العلي العنزي

