بقلم : عاطف بن علي الأسود
لم تعد المؤتمرات الدولية في هذا العصر مناسبات لتبادل الكلمات أو استعراض التجارب فحسب بل أصبحت منصات لصناعة المستقبل وبناء الشراكات وتعزيز الثقة بين الدول والمؤسسات وصناع القرار وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم في مجالات الاقتصاد والتقنية والذكاء الاصطناعي جاءت قمة لندن العالمية للتجارة والاستثمار 2026 لتؤكد أن العالم يقف أمام مرحلة جديدة تتطلب فكرا مختلفا وقيادة واعية وشراكات تقوم على المعرفة والابتكار
ولعل ما لفت انتباهي في هذه القمة هو الرؤية التي وقفت خلف هذا الحدث العالمي والدور الذي قام به الاخ العزيز الدكتور عبدالله السيهاتي في تبني هذا المؤتمر والإسهام في نجاحه من خلال إيمانه بأهمية الحوار بين الثقافات وتعزيز التعاون الاقتصادي وفتح آفاق جديدة تجمع رجال الأعمال والمستثمرين والأكاديميين والمتخصصين من مختلف دول العالم في منصة واحدة تتبادل فيها الخبرات وتصاغ فيها الأفكار التي يمكن أن تصنع أثرا حقيقيا في مستقبل الاقتصاد العالمي
لقد أثبتت هذه القمة أن العالم لم يعد يقيس تقدمه بما يمتلكه من تقنيات فقط وإنما بقدرته على إدارة هذه التقنيات وتوظيفها لخدمة الإنسان وتحقيق التنمية المستدامة فالذكاء الاصطناعي أصبح اليوم جزءا من منظومة الاقتصاد العالمي ولم يعد مجرد تقنية حديثة بل تحول إلى أداة تؤثر في الاستثمار والتجارة والصناعة والصحة والتعليم والخدمات الحكومية وصناعة القرار
ومن خلال متابعتي لما طرح في جلسات القمة وجدت أن الرسالة الأهم تتمثل في أن نجاح التحول الرقمي لا يعتمد على التقنية وحدها وإنما على وجود قيادة مؤسسية تمتلك الرؤية والقدرة على إدارة التغيير وبناء الثقة ووضع الأطر التي تضمن الاستخدام المسؤول للتقنيات الحديثة وتحافظ في الوقت نفسه على خصوصية البيانات وتعزز الحوكمة والشفافية
ومن موقعي في الاقتصاد الصحي أرى أن هذه التحولات تمثل فرصة كبيرة لتطوير القطاع الصحي ورفع كفاءة الإنفاق وتحسين جودة الخدمات الصحية من خلال الاستفادة من تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي في دعم القرار وتوجيه الموارد نحو البرامج التي تحقق أفضل النتائج للمجتمع لأن الاستثمار في التقنية عندما يقترن بالمعرفة والحوكمة يتحول إلى قيمة مضافة تنعكس على صحة الإنسان وجودة الحياة والتنمية الاقتصادية
كما أن ما طرح في القمة حول بناء الثقة بين الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع يؤكد أن التنمية المستدامة لا يمكن أن تتحقق بجهود منفردة وإنما تحتاج إلى شراكات حقيقية تقوم على تبادل المعرفة والاحترام المتبادل والعمل المشترك وهو ما يتوافق مع التوجهات الحديثة في بناء الاقتصادات القادرة على مواجهة المتغيرات العالمية
لقد نجحت القمة في تقديم نموذج للحوار الحضاري الذي يجمع الاقتصاد بالدبلوماسية والثقافة بالاستثمار والتقنية بالمسؤولية وهو ما يعكس أهمية المبادرات التي تتجاوز الحدود الجغرافية وتعمل على بناء جسور للتفاهم بين الشعوب والمؤسسات بما يسهم في تحقيق نمو اقتصادي أكثر استدامة وعدالة
ومن هنا فإنني أتقدم بخالص التقدير للدكتور عبدالله السيهاتي على دعمه وتبنيه لهذه القمة الدولية التي أكدت أن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان وأن المعرفة هي أساس التنمية وأن بناء الجسور بين الثقافات والاقتصادات أصبح ضرورة تفرضها طبيعة العالم الجديد كما أن مثل هذه المبادرات تسهم في تعزيز الحوار الدولي وتبادل الخبرات وإيجاد فرص جديدة للتعاون في مختلف المجالات
وإنني على ثقة بأن استمرار مثل هذه المؤتمرات النوعية سيمنح المنطقة والعالم فرصا أكبر لتبادل التجارب وإطلاق المبادرات التي تخدم الإنسان وتدعم الاقتصاد وتعزز الاستدامة وترسخ ثقافة الابتكار وهو ما يجعل من هذه القمة نموذجا يحتذى به في صناعة المستقبل وبناء شراكات تتجاوز حدود المكان لتصنع أثرا يمتد إلى الأجيال القادمة
——————————
مستشار في الاقتصاد الصحي وحماية البيئة
دراسات عليا في الاقتصاد الصحي جامعة شفيلد المملكة المتحدة
البريد الإلكتروني
sir.atif@hotmail.com
منصة X
@alaswadatif

