ليس كل ما سُمِع .. قد فُهِم .

بقلم / خالد العلي

منذ أن تغادر الكلمة فمك ، تبدأ رحلة لا تستطيع مرافقتها .
تخرج كما أردتها ، تحمل نيتك والمعنى الذي قصدته ، ثم تستقبلها
عقول مختلفة ، وقلوب مختلفة ، وتجارب مختلفة .

يسمعها أحدهم بعين الأمس ، ويسمعها آخر بجراحه ، ويبحث ثالث
فيها عن معنى لم تقله أصلًا .
وحينها أدركت أن الكلمة لا تسافر وحدها ، وإنما يحملها كل سامع إلى المكان الذي يسكنه هو .
كنت أظن أن الناس يسمعون الكلمات ، ثم اكتشفت أنهم كثيرًا ما يسمعون أنفسهم من خلالها .
فالمتفائل يلتقط منها باب الأمل ، والخائف يلتقط منها باب التهديد ، وصاحب القلب السليم
يبحث عن المعنى ، أما المثقل بالظنون فيبحث عن المتهم .

ولهذا قد تبقى الجملة واحدة، بينما تتعدد الحكايات التي تُروى عنها .
أنا مسؤول عن صدق كلمتي ووضوحها، وعن ألا أتعمد بها جرح أحد
لكنني لست مسؤولًا عن كل تأويل يولد بعد مغادرتها .

فالكلمة ابنتي .. أما التأويل فابن صاحبه .

وما يؤلم في سوء الفهم
أن يأتي أحيانًا ممن نظن أن الأدب علّمهم الإنصاف قبل أن يعلّمهم الكتابة .
لا أعتب على من أخطأ في الفهم ، فالخطأ طبيعة بشرية ، وإنما العتب على من يختار
أسوأ تفسير للكلام ثم يعامله كأنه الحقيقة الوحيدة .

كنت أظن أن من أطال صحبة الكلمة يكون أكثر حذرًا في الحكم عليها
فإذا التبس عليه المعنى سأل ، وإذا احتمل الكلام أكثر من وجه التمس أعدلها .
فالأدب ليس حسن صياغة الكلام فقط ، بل حسن قراءته أيضًا .

وقد يكتب الإنسان جميلًا .. ثم يقرأ قبيحًا .
وليس أكثر الناس إنصافًا من وافقني ، بل من اختلف معي ثم أنصفني .

فربما كان السؤال :
هل هذا ما قصدته؟
أكثر أدبًا من حكم طويل بُني على الظن .

كم من خصومة كان يمكن ألا تولد لو سبق الغضب سؤال ، وكم من علاقة انتهت
بسبب معنى لم يكن موجودًا أصلًا .

لذلك أصبحت أقل انشغالًا بمن خالفني ، وأكثر انشغالًا بمن فهمني .
فليست كل كلمة تُغضب خاطئة ، وليست كل كلمة تُرضي صحيحة ، وقد يكون اختلافنا في الفهم
أوسع من اختلافنا في الرأي .

الكلمات لا تؤذي وحدها
أحيانًا يؤذيها من يلبسها ثوبًا لم تختره ، ثم يحاكمها على جرم لم ترتكبه .
ولهذا كان حسن الظن من أجمل أخلاق الاستماع ، كما كان الصدق من أجمل أخلاق الكلام .

وبين المتحدث والمستمع جسر اسمه : حسن الفهم .
المتحدث مسؤول عن أن يبنيه واضحًا ، والمستمع مسؤول عن ألا يهدمه بالظنون .
فإذا انهار الجسر ، سقطت الكلمات في النهر ، واتهم كل طرف الآخر بأنه هدمه.

وربما كان العدل كله ..
أن نتوقف قليلًا قبل أن نحكم ، ونمد أيدينا إلى المعنى، ونسأل :

ماذا كنت تقصد؟
فليس كل ما سُمِع .. قد فُهِم.
وليس كل ما فُهِم .. كان هو المقصود .
،
خالد العلي العنزي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top