“شوق متخف في هيئة كبرياء”

تعال لأعترف لك…

اعتراف ربما يسكن شعور كثيرين، لكن حروفي لها طريق آخر.

قاطعني وهو ينظر إلي على مضض:

أأسمي هذا غرورا؟ أم ثقة زائدة تجاوزت حدود المعقول؟

ابتسمت بثقة وقلت:

ربما هي أنفة جميلة أحملها في حروفي، ورونق شحيح لا تمنحه اللغة لكل من طرق بابها.

رفع حاجبه مقتضبا وقال:

أقسم إنك مغرور مخاتل… لكن دعني أسمع ما تخفيه خلف كل هذا. بماذا ستعترف؟

ابتسمت أكثر، كمن انتظر هذا الاتهام طويلا، ثم قلت:

سأعترف…

فالاعتراف حين يخرج من مكانه الصحيح لا يحتاج إلى دفاع.

حروفي لا تولد من رغبة في الاختلاف. حاولت طويلا أن أشبه الآخرين، وكانت اللغة كلما اقتربت من أصواتهم أعادتني إلى صوتي. خانتني الجملة، وتعثّر المعنى، وكأن الكلمات كانت تعرف أنني أرتدي شيئا لا يخصني.

أنا لا أكتب لأقنع أحدا بما أكتب.

أكتب لأن شيئا في داخلي يضيق حين أصمت.

وحين تضيق الروح، تبحث عن نافذة… وكانت كلماتي نافذتي.

صمت قليلا، ثم أضفت بنبرة أكثر هدوءا:

قد يسميه أحدهم ثقة، وقد يراه آخر غرورا…

أما أنا، فأعرف أنني لا أستعير إحساسي، ولا أستجدي دهشة قارئ، ولا أرتدي دهشة الآخرين كي أبدو مختلفا.

ما أكتبه يشبهني.

بعيوبه، بحدته، بوحدته، وبذلك الجزء الذي لا أعرف كيف أشرحه حتى لنفسي.

يشبهني وحدي.

ومن يشبه نفسه كثيرا، يلفت انتباه من اعتادوا التشابه.

تراجع خطوة، ومال برأسه كمن يعيد النظر فيما سمع، ثم قال بفتور أقل حدة:

إذن أنت لا تعترف بشيء جديد…

أنت تعترف بأنك لا تريد أن تكون سواك.

نظرت إليه بثبات وقلت:

وهذا أعظم اعتراف أملكه.

لكن حتى أريح ما في رأسك من شك، سأقولها كما هي:

أنا أحن إلى الوراء.

أحن إلى زمن كانت فيه روحي أخف، وكانت المعرفة ما تزال بعيدة عن كتفي.

أشتاق إلى ذلك الوقت القديم من حياتي، حين كان همي الوحيد كيف أدبر نهارا بسيطا، ثم أعود به إلى المساء متعبا من اللعب… لا من التفكير.

أشتاق إلى أيام كانت السعادة فيها تحدث دون موعد.

أركض في الأزقة قبل أن أعرف أنها شوارع، وأتسلل بين الحواري العتيقة التي تفوح منها رائحة الأمان والحنان.

كانت الجدران تعرف أسماءنا، والتراب يعرف وقع أقدامنا الصغيرة، والبيت يعرف أن عودتنا آخر النهار تعني أننا نجونا من يوم آخر.

لم يكن في رأسي آنذاك ما يعكر صفوه.

كنت أعرف بيت أهلي، وأصدقائي الأشقياء، وبعض الأحلام الصغيرة التي كانت تكبر معي دون أن أعرف أسماءها.

كنت أعرف أن الحب يعطى بلا حساب، وأن العودة إلى البيت نجاة.

كنت ذلك الفتى الأدم الذي كان بعض ذويه يمازحونه بلون سمرة بشرته، وفي بعض الكلمات شيء يظل عالقا في القلب حتى بعد أن ينسى صاحبه أنه قالها.

لم أفهم وقتها لماذا يؤلمنا اختلاف بسيط إلى هذا الحد.

كنت طفلا.

والطفل لا يملك تفسيرا لكل ما يحدث له، فيتعلم الصمت قبل أن يتعلم الكلام عن وجعه.

تحملت وكابرت على نفسي ومضت السنوات.

وبقي شيء صغير مني هناك، في ذلك الفتى الذي لم يعرف كيف يحوّل ألمه إلى قسوة.

لم يخرج من تلك الأيام حاقدا.

احتفظ بأذاه في مكان لا يصل إليه أحد، وكان يعالجه بطريقته البسيطة، كأن يضع يده على موضع الألم وينتظر أن يهدأ.

ربما لهذا بقي داخلي شيء من ذلك الطفل.

شيء يرفض أن يتعلم القسوة مهما أتقن العالم تعليمها.

كنت بعيدا آنذاك عن الحب الذي أعرفه اليوم بمعانيه الثقيلة.

بعيدا عن ذلك الحب الذي يجيء ومعه خوف الفقد، وظلال الخيانة، وطول الانتظار.

كنت بعيدا عن الخيانة حين تصبح حديثا ناضجا، وعن التعقيد الذي يتسلل إلى قلوب الكبار حتى يجعل الشعور البسيط مسألة تحتاج إلى تفسير.

كنت صغيرا بما يكفي لأصدق الأشياء كما تأتي.

وهذا ما أشتاق إليه.

أنا أحن إلى الماضي… لأنني أحن إلى نفسي التي كانت تسكنه.

هناك، كنت أعرف كيف أفرح دون أن أسأل الفرح عن بقائه.

كيف أحب دون أن أفكر في نهايته.

كيف أعود إلى البيت دون أن أحمل معي أسئلة اليوم كله.

لم أكن أفكر كثيرا… كنت أعيش.

وهذا فرق لا يعرفه إلا من أثقلته الأيام حتى صار التفكير عنده بديلا عن الحياة.

فإن بدا لك حديثي غرورا، فربما لأنك ترى ما تعلمته من الوقوف أمام العالم.

أما أنا، فأعرف ما أخفيه خلف هذا الوقوف.

شوق متخف في هيئة كبرياء.

شوق رجل يتذكر فتى كان يضحك دون أن يسأل نفسه لماذا يضحك، ويعود إلى بيته دون أن يحتاج إلى تفسير لما يشعر به.

أخبرني الآن…

هل ما زلت ترى في ذلك غرورا؟

صمت.

نظر إلي طويلا، كأنه للمرة الأولى يحاول أن يرى ما وراء الكلمات.

ثم تنفس بعمق وقال بصوت انطفأ فيه الاتهام:

كنت أظنك تجمل غرورك بالكلمات… لكنني الآن أراه جرحا يتقن الوقوف. أنت لست مثلهم… ولا تحاول أن تكون مثلهم.

توقف لحظة، ثم أضاف وكأنه يكتشف شيئا لم يكن يريد الاعتراف به: المختلف يربك من اعتادوا أن يروا العالم بالمقاس الذي يسعهم… وحين يأتيهم شخص أوسع من مقاييسهم، يسمون اتساعه غرورا.

ابتسمت. ولم أجب.

لأن بعض الاعترافات حين تصل إلى نهايتها، لا تحتاج إلى كلمة أخيرة…
يكفي أن يبقى صداها في المكان.

بقلم عبدالمحسن إبراهيم الشقاق
للتواصل على صفحتي في الانستغرام:
Abdalmohsen.ebrahhem
عبدالمحسن الشقاق

1 فكرة عن ““شوق متخف في هيئة كبرياء””

  1. كل منا له مع أدمهِ حكاية وقصة لم تزل في ذاكرة الماضي الإنساني البسيط الجميل.!!!؟
    حتى في لحظة واحدة تقفز الكلمات ولم يكن لها توقيت سوى الصدفة البحته التي لم تغادر إلا بعد أن أخذتنا من الماضي إلى الحاضر الذي غيرنا وغيرناه.
    مليئة بالحزن والألم…!! مليئة بالدموع والفرح والسرور والبهجة روح الأنسان الذي لم يكل يوماً ولن يتوقف عن التفتيش لأنه يشعر بأن الحياة والأمل وجهان لعملة واحدة….🫀

    تحياتي لك أخي العزيز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top