بقلم : عاطف بن علي الأسود
أن تتحول تجربة استثمارية سعودية إلى موضوع لدراسة في برامج الدراسات العليا بجامعة في مملكة البحرين فذلك يتجاوز فكرة الإشادة بالتجربة أو استعراض ما تحقق فيها من أرقام ليطرح سؤالا أكثر أهمية حول العوامل التي صنعت هذا التحول وجعلت منه نموذجا يستحق البحث والتحليل
هذه الصورة تبرز بوضوح في تجربة أمانة المنطقة الشرقية التي شهدت خلال السنوات الأخيرة تطورا ملحوظا في منظومة الاستثمار البلدي ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030 وبرعاية ودعم صاحب السمو الملكي أمير المنطقة الشرقية وسمو نائبه حفظهما الله ومتابعة معالي وزير البلديات والإسكان ومعالي أمين المنطقة الشرقية
فالاستثمار البلدي اليوم لم يعد مجرد مورد للإيرادات بل أصبح جزءا من منظومة التنمية وأداة لتفعيل الأصول وتعزيز مشاركة القطاع الخاص واستقطاب رؤوس الأموال وخلق فرص اقتصادية جديدة تخدم المدن وسكانها
وقد تجاوز حجم الاستثمارات في المشاريع الاستثمارية بالمنطقة 30 مليار ريال وهو رقم يعكس اتساع قاعدة النشاط الاستثماري وتنوع الفرص المتاحة وقدرة المنطقة الشرقية على استقطاب المستثمرين وتعزيز حضور القطاع الخاص في التنمية
لكن الأرقام مهما بلغت أهميتها لا تفسر وحدها نجاح أي تجربة استثمارية
فالقرار الاستثماري يبحث قبل رأس المال عن بيئة واضحة وإجراءات موثوقة ومعلومة متاحة ورحلة استثمارية لا تستهلك الوقت والجهد
ومن هنا تأتي أهمية الدراسة الأكاديمية التي حملت عنوان
أثر التواصل مع المستثمرين والتحول الرقمي فرص في تعزيز الثقة الاستثمارية لدى المستثمرين دراسة ميدانية على وكالة الاستثمارات وتنمية الإيرادات بأمانة المنطقة الشرقية التابعة لوزارة البلديات والإسكان
وهو عنوان يلامس أحد أهم التحولات التي يشهدها الاستثمار الحكومي اليوم
فالحديث عن الاستثمار لم يعد مقتصرا على طرح الفرص وإنما أصبح مرتبطا بكيفية بناء علاقة أكثر فاعلية مع المستثمر تبدأ من وصوله إلى المعلومة ولا تنتهي عند توقيع العقد بل تمتد إلى مختلف مراحل تجربته الاستثمارية
وفي هذا السياق يبرز دور وكالة الاستثمارات وتنمية الإيرادات في تطوير منظومة التواصل مع المستثمرين وتسهيل الإجراءات وتحسين تجربة المستثمر بما يعزز الانتقال من النموذج التقليدي في إدارة الفرص إلى نموذج أكثر مرونة يقوم على الشراكة والوضوح وسرعة الاستجابة
ويأتي مركز التميز الاستثماري كإحدى المبادرات التي تعكس هذا التوجه من خلال العمل على تسهيل رحلة المستثمر ومعالجة التحديات التي قد تواجهه واختصار الوقت والجهد وتحسين مستوى الخدمة المقدمة له
كما يمثل التحول الرقمي محطة أساسية في إعادة صياغة هذه العلاقة
ومن خلال البوابة الرقمية للاستثمار في المدن السعودية فرص أصبح الوصول إلى الفرص الاستثمارية والمنافسات وتقديم المستندات والعروض والاطلاع على النتائج وإبرام العقود ومتابعة المواقع والسداد وإدارة العقود أكثر ارتباطا بمنظومة رقمية متكاملة
وهنا لا تكمن أهمية التقنية في كونها اختصرت بعض الإجراءات فقط بل في قدرتها على تعزيز الشفافية والحوكمة وإتاحة المعلومات بصورة أكثر وضوحا وتقليل المساحات التي قد تؤثر في سرعة اتخاذ القرار الاستثماري
فالمستثمر عندما يجد المعلومة واضحة والإجراء محددا والفرصة متاحة والعملية الاستثمارية قابلة للمتابعة فإنه يصبح أكثر قدرة على تقييم المخاطر واتخاذ القرار بثقة
وهذا هو الجانب الذي أراه أكثر أهمية في التجربة
فنجاح المدن في جذب الاستثمار لا يقاس بعدد الفرص التي تطرحها فقط وإنما بقدرتها على بناء بيئة تجعل المستثمر يرغب في الاستمرار والتوسع وإعادة الاستثمار
ومن هنا فإن انتقال تجربة أمانة المنطقة الشرقية إلى مساحة البحث الأكاديمي يمثل في حد ذاته مؤشرا مهما على أن التحول الذي تشهده المنظومة الاستثمارية أصبح جديرا بالدراسة وليس مجرد تجربة إدارية عابرة
والأهم أن الدراسة لا تنظر إلى الاستثمار من زاوية حجم المشاريع وحده بل تربط بين التواصل والتحول الرقمي والثقة الاستثمارية وهي ثلاثة عناصر أصبحت تشكل جزءا أساسيا من تنافسية المدن وقدرتها على استقطاب الاستثمارات النوعية
وفي تقديري فإن جوهر التحول الذي شهدته التجربة يمكن اختصاره في الانتقال
من إدارة الفرصة إلى إدارة التجربة الاستثمارية
ومن تقديم الخدمة إلى بناء العلاقة مع المستثمر
ومن الإجراءات التقليدية إلى المنظومات الرقمية
ومن النظر إلى الأصل البلدي باعتباره موردا إلى التعامل معه كأداة لصناعة قيمة اقتصادية وتنموية
وهذه التحولات هي التي تمنح الاستثمار البلدي بعده الحقيقي في رؤية المملكة 2030
فالهدف في النهاية ليس زيادة الإيرادات فقط بل تعظيم القيمة الاقتصادية للأصول وتحفيز القطاع الخاص وخلق فرص العمل وتنشيط الاقتصاد المحلي وتحسين جودة الحياة
وقد أثبتت التجربة أن بناء البيئة الاستثمارية يحتاج إلى أكثر من رأس مال وأراض وفرص مطروحة فهو يحتاج إلى منظومة متكاملة تجمع بين الحوكمة والتقنية والتواصل والشفافية والقدرة على فهم احتياجات المستثمر
ولذلك فإن وصول هذه التجربة السعودية إلى الدراسات العليا في البحرين يحمل دلالة تتجاوز حدود الأرقام
فما يحدث في المنطقة الشرقية أصبح تجربة خليجية تستحق أن تقرأ من زاوية علمية وأن تناقش عناصر نجاحها وأن تستفيد منها المدن التي تبحث عن نموذج أكثر كفاءة في إدارة الاستثمار وتعظيم أثره
الأرقام مهمة وهي تعكس حجم ما تحقق
لكن الأهم من الرقم هو ما وراء الرقم
وما وراء أكثر من 30 مليار ريال من الاستثمارات قصة تحول في الفكر الاستثماري وإعادة تعريف للعلاقة بين القطاع الحكومي والقطاع الخاص واستثمار للتقنية في بناء الثقة وتحويل الأصول والفرص إلى قيمة اقتصادية وتنموية
وهنا تكمن القيمة الحقيقية لتجربة أمانة المنطقة الشرقية
أنها لا تقدم فقط ما تحقق اليوم بل تقدم أيضا نموذجا يمكن تطويره والبناء عليه وقياس أثره علميا
وعندما تصل تجربة استثمارية سعودية إلى قاعات الدراسات العليا في جامعة بحرينية فإنها بذلك تكون قد تجاوزت مرحلة الإنجاز المحلي إلى مرحلة التأثير المعرفي
وهذه في حد ذاتها قصة نجاح تستحق أن تروى وتدرس وتوثق
⸻
للتواصل
عاطف بن علي الأسود
مستشار استثماري
✉️ sir.atif@hotmail.com
𝕏 Xalaswadatif

