“القرين الذي ربته الأيام”

بقلم عبد المحسن الشقاق

في داخل كل إنسان موضع لم تلمسه حياته بعد، ولذلك ما زال يجهل ماذا يمكن أن يخرج منه حين تصل إليه الأيام.

فمنذ اللحظة التي يمنح فيها اسمه صفات ثابتة، يبدأ ببناء جدار حولها:
أنا طيب
أنا متسامح
أنا وفي
أنا لا أؤذي أحدا
أنا مختلف عنهم

ثم يمضي عمره حارسا لهذا البناء، يغلق نوافذه كلما اقترب منها شيء يشبه الحقيقة.

الغريب أن الإنسان لا يخشى أن يكون سيئا بقدر ما يخشى أن يعرف أنه قادر على أن يكون سيئا.

تلك القدرة النائمة في داخله هي التي يهرب منها.

قد يعيش سنوات وهو يظن أن تسامحه فضيلة، حتى يأتي شخص يعرف تماما أين يضع يده، فيكتشف أن تسامحه كان مشروطا بصورة معينة يريد الاحتفاظ بها عن نفسه.

وقد يقضي حياته وهو يلعن القسوة، ثم تمنحه الأيام سلطة صغيرة على شخص أضعف منه، فيكتشف أن بعض المبادئ كانت جميلة لأنها لم توضع يوما تحت الاختبار.

هنا يبدأ الإنسان في رؤية نفسه من دون زينة.

لا أحد يعرف حقيقة قلبه وهو آمن.

الجوع يعرفك أكثر من الشبع، والخذلان يترك في الروح غرفا جديدة، والسلطة تفتح أبوابا لم تكن تعرفها، والغضب يوقظ في النفس أصواتا ظلت طويلا تحت الركام. وكلما مر بها الإنسان، تركت الأيام شيئا منها هناك، حتى صار للوجه الذي يخفيه ملامح لم يصنعها وحده.

لهذا قد يكون الإنسان طوال حياته يقرأ عن الوحوش، ثم يأتي يوم لا يجد فيه وحشا أمامه.

يجد نفسه.

ولا أقصد ذلك الشر الصريح الذي يسهل التعرف إليه.

الأمر أكثر دهاء من ذلك بكثير.

قد تكون الوحشية في رغبة صغيرة بأن يرى شخصا تحبه يتألم لأنك تألمت منه.

قد تكون في سعادتك الصامتة حين يفشل من كنت تقارن نفسك به.

قد تكون في احتفاظك بسر شخص لأنك تعرف أن امتلاكه يمنحك شيئا من السيطرة عليه.

قد تكون في اعتذارك الذي لا تريده، وفي تسامحك الذي تستخدمه لاحقا كسكين، وفي حبك الذي يتحول حين لا تجد مقابله إلى محكمة.

ثمة مواضع في الإنسان لا تعرف طريقها إلى الضوء إلا حين تضيق المسافة بينه وبين ما كان يخشاه في نفسه.

وهنا تحديدا تبدأ الحكاية الحقيقية.

لأن الإنسان يستطيع أن يكذب على الآخرين طويلا، وقد يستطيع أن يكذب على نفسه أطول.

يصنع لنفسه سيرة داخلية مرتبة بعناية؛ يتذكر مواقفه النبيلة، وينسى اللحظات التي خذل فيها أحدا، يحتفظ بصورة يليق بها أن تعيش في المرآة، ويدفن تحتها وجوها أخرى لم تعجبه.

حتى تأتي لحظة لا يعود فيها الدفن كافيا.

تخرج الوجوه القديمة واحدة تلو الأخرى.

عندها يفهم الإنسان شيئا مخيفا:

أن النفس البشرية ليست غرفة واحدة لها باب واحد.

إنها مدينة كاملة، فيها أحياء لا يزورها صاحبها، وممرات أغلقها منذ سنوات، وأبواب يخشى أن يعرف إلى أين تقوده إذا فتحها.

وفي أعمق مكان منها، قد تجد شخصا لا يشبه الصورة التي أمضيت عمرك في الدفاع عنها: يحمل غيرة لا يعترف بها، ورغبة في الانتقام يبررها لنفسه، ولذة خفية حين يرى من قارنه بنفسه يتراجع خطوة. وقد يمد يده إلى الحب حين يمنحه شيئا، ثم يتركه حين يصبح امتحانا، ويغفر ما دام الغفران لا ينتزع منه شيئا.

لأن الإنسان حينها لا يمثل أمام أحد.
إنه وحده مع نفسه.

وأن بعض هدوئه كان عجزا عن المواجهة.

وأن بعض تسامحه كان خوفا من الخسارة.

وأن بعض حبه كان رغبة في الامتلاك.

وأن بعض نقائه لم يُختبر بما يكفي كي يستحق اسمه.

وحين تسقط النسخة التي صنعها عن نفسه، لا يبقى أمامه شيء يعلقه على الجدران.

يبقى ذلك الجزء الذي ظل يخبئه كلما اقترب من المرآة.

وربما لهذا تكون معرفة الإنسان بنفسه أشبه بفتح باب ظل مغلقا لسنوات؛

لا تعرف ما الذي ينتظرك خلفه…

حتى تضع يدك على المقبض، وتشعر للحظة أن شيئا ما كان ينتظر هذه اليد منذ زمن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top