عندما تكشف الظروف معادن البشر

بقلم : عاطف بن علي الأسود

هناك أوقات في حياة الإنسان لا تأتي لتختبر قدرته على مواجهة الظروف فقط، بل تكشف له حقيقة من حوله، وتضع أمامه صورة واضحة لمعادن البشر من دون أقنعة أو مجاملات

فما إن يمر الإنسان بعارض أو ظرف صعب، حتى تبدأ بعض النفوس المريضة في صناعة الروايات ونشر الإشاعات وترديد الأقاويل التي لا علاقة لها بالحقيقة، ولا تمت إلى الواقع بصلة، وكأن مصيبة الإنسان أو ظرفه الخاص أصبح مادة للحديث والتندر والتشفي

والأغرب من ذلك أن بعض هذه الأقاويل قد تأتي من أشخاص لم يسألوا عن الحقيقة، ولم يحاولوا التأكد من مصدر ما يسمعون، وإنما اكتفوا بنقل الكلام وتضخيمه وإضافة تفاصيل من خيالهم، وكأنهم أمام قصة يريدون أن يصنعوا لها نهاية تتوافق مع أهوائهم ونواياهم

لكن الظروف الصعبة تحمل في داخلها دروسا لا يمكن أن تمنحنا إياها الأيام العادية

ففي وقت الشدة تعرف الصديق الحقيقي من المتفرج، وتعرف القريب الذي يحمل لك المحبة والوفاء من ذلك الذي يبحث عن أخبارك ليجد فيها مادة للحديث، وتعرف من يقف إلى جانبك بصمت، ومن يستغل ظرفك ليشبع فضوله أو يحقق رغبة دفينة في التشفي

وفي المقابل، تظهر معادن أصيلة لا تحتاج إلى كثير من الكلام

أشخاص يسألون عنك بصدق، ويدعون لك دون أن ينتظروا منك شيئا، ويحفظون خصوصيتك، ولا يسمحون لأنفسهم أن يكونوا جزءا من إشاعة أو حديث يمس كرامتك

وهؤلاء هم الذين يستحقون أن تحفظ لهم مكانتهم في القلب، لأن المواقف وحدها كفيلة بكشف حقيقة العلاقات

أما من اختار أن يكون ناقلا للكلام، أو صانعا للإشاعة، أو مروجا لرواية لا يعرف حقيقتها، فليدرك أن الإنسان قد ينسى كثيرا من الكلمات، لكنه لا ينسى أبدا من وقف معه في وقت ضعفه، ومن خذله حين كان في أمس الحاجة إلى موقف صادق

إن أصعب ما في بعض الظروف ليس الظرف نفسه، وإنما اكتشاف حقيقة بعض الأشخاص من حولك

ومع ذلك، فإن هذا الاكتشاف في حد ذاته نعمة، لأنه يختصر عليك سنوات من العلاقات الوهمية، ويمنحك القدرة على معرفة من يستحق قربك، ومن الأفضل أن تضع بينك وبينه مسافة تحفظ بها راحة بالك وكرامتك

لذلك، عندما تكشف الظروف معادن البشر، لا تحزن كثيرا على من سقط من عينك، بل احمد الله أنك رأيت الحقيقة في الوقت المناسب

فالإنسان الأصيل لا يحتاج إلى الظروف ليكون وفيا، لكن الظروف تكشف لنا من كان وفيا بالفعل، ومن كان حضوره مجرد مصلحة أو فضول أو مجاملة

وفي النهاية، تبقى قاعدة لا تتغير

لا تصدق كل ما يقال، ولا تنقل ما لا تعرف حقيقته، ولا تجعل من ظروف الآخرين مادة للحديث أو التشفي

فالكلمة مسؤولية، والسمعة أمانة، وكرامة الإنسان ليست مجالا للتسلية

أما المعادن الحقيقية، فلا تكشفها الكلمات، بل تكشفها المواقف

كاتب وباحث في الاقتصاد والاستثمار والاقتصاد الصحي

✉️ Email: sir.atif@hotmail.com
𝕏 X: @Xalaswadatif

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top