برعاية الشرقية الإعلامي، واصل ملتقى «ثلوثية (وماذا بعد؟)» رحلته الحوارية بلقاء جديد حمل عنوان «هندسة الذات»، مستضيفًا كوتش إيمان يانس، في أمسية اتخذت من الإنسان مشروعها الأول؛ لا بحثًا عن نسخة مثالية منه، وإنما عن مساحة أكثر وعيًا يستطيع فيها أن يعيد ترتيب علاقاته وبيئته وأولوياته، وأن ينتقل من مجرد النجاة بالحياة إلى صناعتها.
جاءت الحلقة امتدادًا لمسار فكري وإنساني صنعته الثلوثية عبر حلقاتها المتتابعة؛ فمن الاحتراق إلى الوعي، ومن الوعي إلى «شجاعة التغيير»، وصولًا إلى السؤال الذي يبدو منطقيًا بعد كل تغيير: إذا امتلك الإنسان الشجاعة ليغادر ما لم يعد يشبهه، فهل يعرف كيف يبني ما يشبهه؟ ومن هنا جاءت «هندسة الذات»، لا باعتبارها عملية هدم وإعادة بناء كاملة، بل بوصفها مراجعة واعية للطريقة التي يرتب بها الإنسان نفسه وحياته وما يحيط به.
إيمان يانس… الإنسان بين ذاته وجودة حياته
استضاف اللقاء كوتش إيمان يانس، التي جاء حضورها منسجمًا مع طبيعة الموضوع ومساحاته المرتبطة بالوعي وإدارة الذات وجودة الحياة. ولم يتجه الحوار إلى تقديم وصفة جاهزة لما يجب أن يكون عليه الإنسان، بل اقترب من فكرة أكثر واقعية: أن لكل مرحلة من حياتنا تصميمًا يناسبها، وأن ما خدمنا بالأمس قد لا يكون بالضرورة مناسبًا للنسخة التي نحاول بناءها اليوم.
ومن هنا بدا مصطلح «الهندسة» أكثر من مجرد عنوان جذاب؛ فالإنسان، مثلما يعيد المهندس قراءة المساحة قبل أن يقرر ماذا يضيف إليها أو يحذف منها، يحتاج أحيانًا إلى الوقوف أمام حياته ليسأل: ما الذي يستحق أن يبقى؟ ما الذي يحتاج إلى إعادة ترتيب؟ وما الذي انتهى دوره، لكنني ما زلت أحتفظ به لأنني اعتدت وجوده؟
إعادة ترتيب المساحة… قبل إضافة المزيد
أخذ الحوار مساحة مهمة في الحديث عن البيئة والعلاقات، لأن التغيير الداخلي قد يفقد أثره حين يبقى كل ما حول الإنسان مصممًا للنسخة القديمة منه. وقد لا تكون المشكلة دائمًا في قلة العلاقات أو الفرص أو الموارد، بل في سوء توزيع المساحات؛ شخص يأخذ أكثر مما ينبغي، علاقة تستنزف أكثر مما تمنح، عادة تستهلك الوقت، أو بيئة لم تعد تساعد الإنسان على النمو.
وهنا ظهرت فكرة مهمة: تقليص الدائرة الاجتماعية لا يعني العزلة، وإنما قد يعني الانتقال من الكم إلى العمق النوعي. فهندسة الذات لا تدعو إلى إقصاء الناس، وإنما إلى معرفة المساحة المناسبة لكل علاقة، والتمييز بين من يضيف إلى حياتنا، ومن يشاركنا الطريق، ومن نحتاج إلى إعادة رسم حدود علاقتنا به.
ولعل السؤال الأكثر قدرة على كشف هذه المساحة كان: ما العنصر الأبرز في بيئتي الحالية، مكانًا كان أو شخصًا، الذي يمتص طاقتي دون مقابل؟ وكيف أبدأ في إعادة هندسته؟
مؤشرات التراجع… حين تتحدث الفوضى قبل السقوط
لم تتوقف هندسة الذات عند بناء النسخة الجديدة، بل امتدت إلى القدرة على حمايتها؛ فالتغيير لا يسير دائمًا في خط مستقيم، والإنسان قد يعود إلى أنماط قديمة أو ينزلق تدريجيًا إلى الفوضى دون أن ينتبه. ولهذا ناقش اللقاء أهمية مراقبة مؤشرات التراجع والانزلاق، وفكرة أن الفوضى الداخلية قد تكون إنذارًا مبكرًا يسبق ظهور المشكلة بشكل واضح في الخارج.
قد يبدأ الأمر بتأجيل متكرر، أو انخفاض في الحماس، أو اضطراب في الأولويات، أو انسحاب من أشياء كانت تمنح الحياة معنى، أو عودة هادئة إلى سلوك اعتقد الإنسان أنه تجاوزه. والنضج هنا لا يعني ألّا نتراجع أبدًا، وإنما أن نعرف أنفسنا بما يكفي لنلتقط أولى إشارات التراجع. ولذلك يصبح السؤال: ما أول علامة تظهر عليّ عندما أبدأ بالابتعاد عن نفسي؟ سؤالًا للوقاية، لا للمحاسبة.
من مهارة النجاة إلى فن الحياة
وكان من أكثر محاور اللقاء إنسانية الانتقال من النجاة إلى جودة الحياة. فبعض الأشخاص أصبحوا ماهرين جدًا في النجاة؛ يؤدون مسؤولياتهم، يتجاوزون الأزمات، يحلون المشكلات، ويتحملون الكثير، حتى يبدو كل شيء في الخارج على ما يرام. لكن السؤال الذي قد يتأخر طويلًا هو: هل أنا أعيش فعلًا، أم أنني فقط أجيد الاستمرار؟
وهنا اتسعت «هندسة الذات» من معالجة ما يستنزف الإنسان إلى التفكير فيما يمنحه المعنى. فجودة الحياة ليست حياة بلا مشكلات، وليست رفاهية مؤجلة إلى أن تصبح الظروف مثالية؛ بل قد تبدأ بإضافة شيء واحد يعيد للإنسان اتصاله بقيمه ونفسه وما يحبه. وربما يكون السؤال الأبسط والأعمق في آن واحد: ما الشيء الوحيد الذي لو أضفته إلى حياتي الآن، لارتفعت جودتها؟
هندسة الذات… ليست صناعة إنسان كامل
أحد المعاني التي يمكن أن تختصر روح اللقاء أن هندسة الذات ليست مشروعًا للكمال. فالإنسان ليس مبنى معيبًا يحتاج إلى إصلاح دائم، وإنما تجربة تتطور، وأولويات تتغير، ووعي ينضج. ولذلك قد تكون إعادة الهندسة قرارًا مصيريًا، لكنها قد تكون أيضًا حدًا يوضع في علاقة، أو عادة يعاد تنظيمها، أو وقتًا يسترده الإنسان لنفسه، أو شخصًا يعيد تحديد مساحته، أو شيئًا جميلًا يعيده إلى حياته بعدما أخذته مسؤوليات النجاة بعيدًا عنه.
وهنا اكتسب لقاء كوتش إيمان يانس جماله؛ إذ أعاد الفكرة الكبيرة إلى تفاصيل الإنسان اليومية. فليس المطلوب أن يستيقظ غدًا بشخصية جديدة، وإنما أن يصبح أكثر وعيًا بتصميم حياته: أين يضع طاقته؟ لمن يمنح وقته؟ ماذا يسمح له بالاستمرار؟ وما الذي يحتاج إلى تغييره حتى تصبح حياته أكثر اتساقًا معه؟
وتواصل الشرقية الإعلامي رعايتها ودعمها لملتقى «ثلوثية (وماذا بعد؟)»، في مسار حواري تتقاطع فيه المعرفة مع التجربة، ويصبح السؤال جزءًا من صناعة الوعي، لا مجرد مقدمة للحصول على إجابة.
فبعد الاحتراق جاء الوعي، وبعد الوعي جاءت شجاعة التغيير، ثم جاءت هندسة الذات لتضع الإنسان أمام مسؤولية البناء؛ لأن مغادرة النسخة القديمة ليست كافية إذا لم نعرف كيف نصمم المساحة التي ستعيش فيها النسخة القادمة.
ويبقى سؤال الثلوثية مفتوحًا: إذا انتهينا من هندسة الذات، وأعدنا ترتيب الداخل والعلاقات والبيئة… فهل نكتفي بحياة متزنة؟ أم أن الوقت قد حان لننتقل من ترتيب الحياة إلى صناعة البهجة فيها ولذة الحياة؟ وماذا بعد؟

