العنوان : حين تتحول الإعاقة إلى شتيمة.. هل تصنع اللغة وصمتنا الاجتماعي؟

بقلم تهاني الحربي

أحيانًا تكشف لنا الكلمات أكثر مما يقصده أصحابها.

لفتني مؤخرًا منشور يستخدم كلمة «معاق» بوصفها مرادفًا للهمجية أو سوء التصرف. قد تبدو العبارة للبعض مجرد مبالغة لغوية عابرة، أو محاولة لوصف سلوك غير حضاري، لكنها في الحقيقة تفتح سؤالًا أعمق: لماذا أصبحت الإعاقة في بعض الخطابات رمزًا للنقص أو العجز أو السلوك غير المقبول؟

المشكلة هنا ليست في انتقاد الهمجية؛ فمن حقنا جميعًا أن نرفض السلوك الفوضوي أو المؤذي أو غير الحضاري. المشكلة تبدأ عندما نستخدم حالة إنسانية كأداة للإهانة.

الإعاقة ليست سلوكًا.

الشخص ذو الإعاقة لم يختر أن تكون لديه إعاقة، كما أن الإعاقة لا تحدد أخلاقه أو وعيه أو قدرته على احترام الآخرين.

أما الهمجية، فهي سلوك يمكن اختياره ومراجعته وتغييره.

وهنا يكمن الفرق الذي يجب ألا نغفله:
الإعاقة حالة، والهمجية سلوك.

عندما نستخدم مصطلحًا مرتبطًا بالإعاقة للدلالة على تصرف سيئ، فإننا لا نصف السلوك بدقة، بل ننقل إليه وصمة اجتماعية مرتبطة بفئة كاملة من الناس. ومع تكرار هذا النوع من التعبير، تصبح الكلمة جزءًا من قاموس اجتماعي يربط الإعاقة بالعجز والنقص والسلبية، حتى وإن لم يكن هذا هو المقصود المباشر من المتحدث.

فاللغة ليست مجرد وسيلة لوصف الواقع؛ إنها أيضًا إحدى الأدوات التي تشكل الطريقة التي نفكر بها تجاهه.

حين نصف شخصًا بأنه «أعمى» لأنه لا يرى الحقيقة، أو «أصم» لأنه لا يستمع، أو نستخدم «معاق» للإشارة إلى تصرف نراه غير عقلاني أو همجي، فإننا نُدخل الإعاقة في مساحة رمزية لا علاقة لها بها.

وهذا لا يعني أن علينا مراقبة كل كلمة خوفًا من الوقوع في الخطأ، بل أن نمتلك قدرًا أكبر من الوعي بما تحمله الكلمات من دلالات، خصوصًا عندما نتحدث عن فئات عاشت تاريخًا طويلًا من التنميط والإقصاء.

ذوو الإعاقة لا يحتاجون إلى أن تُجمّل اللغة واقعهم، بل إلى أن تتوقف اللغة عن استخدام واقعهم كإهانة.

وهناك جانب آخر أكثر أهمية.

إذا كانت الثقافة الشعبية تكرر بصورة مستمرة أن الإعاقة تعني العجز، أو الضعف، أو عدم الكفاءة، فمن الطبيعي أن تتسلل هذه الصور إلى مواقفنا اليومية: إلى فرص العمل، والتعليم، والتوظيف، والتصميم العمراني، وحتى إلى الطريقة التي نتوقع بها قدرات الشخص قبل أن نتعرف إليه.

وهنا تصبح المسألة أكبر من كلمة.

إنها مسألة تصورات اجتماعية.

فالشخص الذي يسمع طوال حياته أن الإعاقة مرادف للنقص، قد يواجه حاجزًا غير مرئي قبل أن يصل حتى إلى باب المؤسسة أو الجامعة أو مكان العمل. ليس لأن إعاقته تمنعه بالضرورة، وإنما لأن الصورة النمطية المحيطة بها سبقت حضوره.

ولهذا، فإن الحديث عن الدمج لا ينبغي أن يقتصر على المنحدرات والمصاعد والمواقف المخصصة رغم أهميتها بل يجب أن يشمل أيضًا اللغة والثقافة والصورة الذهنية.

فالبيئة الشاملة ليست فقط مكانًا يمكن للجميع دخوله، وإنما مجتمعًا لا يُنظر فيه إلى الاختلاف باعتباره عيبًا.

وفي المقابل، يمكننا أن ننتقد السلوك بوضوح من دون تحميل الإعاقة مسؤوليته.

بدلًا من «تصرف معاق»، يمكننا أن نقول: تصرف همجي، غير مسؤول، فوضوي، مؤذٍ أو غير حضاري.

هذه الكلمات أكثر دقة أصلًا.

فاللغة القوية ليست التي تهين فئة كاملة كي تنتصر في وصف سلوك فرد، وإنما التي تستطيع تسمية السلوك باسمه الحقيقي.

قد يبدو تغيير مفردة أمرًا بسيطًا، لكنه جزء من تغيير أكبر: أن نتوقف عن النظر إلى الإعاقة باعتبارها استعارة للنقص، وأن نبدأ في رؤيتها كما هي: اختلاف بشري لا علاقة له بقيمة الإنسان أو أخلاقه أو سلوكه.

وفي النهاية، ربما لا تكون القضية في كلمة واحدة قيلت في منشور أو تعليق.

القضية في آلاف الكلمات الصغيرة التي نكررها حتى تبدو طبيعية.

لأن الوصمة لا تبدأ دائمًا بقرار كبير أو قانون مجحف.

أحيانًا تبدأ بكلمة عابرة.

ثم تتكرر.

ثم تصبح مألوفة.

ثم تتحول إلى فكرة.

واللغة التي نستخدمها اليوم في وصف الآخرين، قد تكون هي نفسها اللغة التي ترسم حدود العالم الذي سيعيش فيه أبناؤنا غدًا.

لذلك، قبل أن نبحث عن كلمة تجرح شخصًا بسبب سلوكه، فلنبحث عن الكلمة التي تصف سلوكه فعلًا.

الإعاقة ليست إهانة. والهمجية ليست إعاقة. وبين الاثنين فرق يستحق أن نحترمه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top