لذّة الحياة… حين تتحول البصمة إلى هوية، والاختلاف إلى فن

برعاية الشرقية الإعلامي، واصل ملتقى «ثلوثية (وماذا بعد؟)» رحلته الحوارية بحلقة حملت عنوان «لذّة الحياة»، مستضيفًا الفنانة التشكيلية ومعلمة الفنون الأستاذة سمر القحطاني، في لقاء لم يكن عن الفن بمعناه البصري فحسب، بل عن الإنسان حين يتصالح مع جذوره، ويكتشف صوته الخاص، ويمنح اختلافه مساحة ليصبح هويةً وبصمةً وأثرًا.

جاءت الحلقة لتفتح سؤالًا مختلفًا عمّا سبقها من حلقات الثلوثية: بعد أن يعي الإنسان ذاته، ويمتلك شجاعة التغيير، ويعيد هندسة مساحته الداخلية… كيف يتذوق الحياة؟ وهل لذّة الحياة في كثرة ما نملك وننجز، أم في قدرتنا على رؤية الجمال والمعنى فيما نعيشه، وفي أن نصنع لأنفسنا بصمة لا تشبه سوانا؟

سمر القحطاني… حين يصبح الفن سيرةً أخرى للإنسان

استضافت الحلقة الفنانة التشكيلية سمر القحطاني من جدة، الحاصلة على درجة البكالوريوس في التربية الفنية، والتي تجمع تجربتها بين التعليم والممارسة الفنية والثقافة. بدأت ممارسة الفن التشكيلي منذ عام 2006، وواصلت تطوير تجربتها من خلال الدراسة الأكاديمية والدورات الفنية المتنوعة، إلى جانب مشاركاتها في المعارض والفعاليات الفنية والثقافية، وإنتاج أعمال اقتناها أفراد ومؤسسات، فضلًا عن تجربتها في تدريب وتعليم الفنون.

لكن السيرة في «لذّة الحياة» لم تكن قائمة إنجازات تُقرأ، بل مدخلًا إلى الإنسان خلف اللوحة. كيف يرى الفنان العالم؟ وكيف تتحول البيئة والذاكرة والتراث والتجربة الشخصية إلى لغة بصرية؟ ومتى يتوقف الفنان عن البحث عن التشابه، ليبدأ في اكتشاف بصمته الخاصة؟

وهنا تجاوز الحوار حدود الفن ليقترب من سؤال يمس كل إنسان: كم مرة ابتعدنا عن ذواتنا لأننا كنا منشغلين بمحاولة أن نشبه الآخرين؟

الهوية ليست شيئًا نعلقه خلفنا

كان حضور الهوية والتراث من المساحات اللافتة في اللقاء، ولكن بعيدًا عن التعامل مع التراث باعتباره شيئًا ساكنًا يُستنسخ كما هو. فالفنان يستطيع أن يعود إلى جذوره، ثم يعيد قراءتها بلغته ووعيه وزمنه، لتصبح الهوية مادة حية قابلة للحوار والإبداع.

وفي تجربة سمر القحطاني، بدا الفن مساحة يلتقي فيها الموروث بالمعاصر؛ فالاحتفاء بالجذور لا يعني البقاء في الماضي، كما أن الحداثة لا تستلزم الانفصال عنه. وبين الاثنين تتشكل البصمة: أن تعرف من أين أتيت، ثم تمتلك الشجاعة لتقرر ماذا ستضيف أنت.

وهنا يصبح الاعتزاز بالذات مختلفًا عن الشعور بالتفوق؛ فهو لا يعني أن يرى الإنسان نفسه أفضل من الآخرين، بل أن يتوقف عن معاملتها كنسخة ناقصة منهم. ولكل إنسان بصمة قد تظل مختبئة طويلًا، لا لأنها غير موجودة، بل لأنه كان منشغلًا بمحاولة التشبه بما يقبله الآخرون.

حين يصبح الاختلاف قيمة

ومن الفن انتقل الحوار بصورة طبيعية إلى الاختلاف. فالفنان لا يصنع هويته بتكرار أعمال الآخرين، وكذلك الإنسان لا يصنع ذاته باستنساخ تجاربهم.

قد نحتاج في بداياتنا إلى التأثر والتعلّم والمحاكاة، لكن النضج يبدأ عندما يتحول السؤال من: كيف أصبح مثلهم؟ إلى: ما الذي لا يستطيع أحد أن يقدمه بالطريقة التي أقدمه بها أنا؟

وهذا ما يجعل اكتشاف الصوت الخاص مسؤولية أيضًا؛ فالبصمة لا يكفي أن نجدها، بل تحتاج إلى حماية وتطوير وتوثيق. والموهبة وحدها لا تصنع مسيرة، ما لم يرافقها تعلم وممارسة واستمرار وقدرة على تحويل الفكرة إلى عمل يبقى بعد صاحبه.

ولعل تجربة الأستاذة سمر قدمت نموذجًا واضحًا لهذا المعنى؛ فهي لا تستحضر التراث لتكرره، بل تحاوره وتمنحه رؤيتها المعاصرة. فالهوية الحقيقية ليست شيئًا نعلقه خلفنا، وإنما قيمة حية نأخذها معنا إلى المستقبل.

لذّة الحياة… التفاصيل التي لا تقاس بالأرقام

لم يكن عنوان الحلقة منفصلًا عن ضيفتها. فالفن في جوهره تدريب طويل على الانتباه؛ إلى لون قد يمر أمام الآخرين، وتفصيل صغير، وذاكرة، وملمس، وحكاية يمكن أن تتحول بين يدي الفنان إلى معنى.

وربما هنا تكمن إحدى صور «لذّة الحياة»: أن يتوقف الإنسان عن المرور السريع على أيامه، وأن يستعيد قدرته على الملاحظة والدهشة، وأن يدرك أن جودة الحياة ليست دائمًا في الأحداث الكبرى، بل في قدرته على الحضور داخل التفاصيل الصغيرة.

فالنجاح يمنح الإنسان إنجازًا، لكن المعنى يمنحه سببًا ليستمتع بهذا الإنجاز. والانتماء يمنحه جذورًا، لكن التعبير عن تلك الجذور بطريقته يمنحه هوية. أما الاختلاف، الذي قد يقضي الإنسان سنوات وهو يحاول إخفاءه، فقد يكون يومًا ما أكثر ما يميّز بصمته.

هذه بصمتي… وهذا صوتي

وجاءت أسئلة ومحاور اللقاء لتكشف جوانب متعددة من تجربة الأستاذة سمر؛ من بداياتها وتكوينها الفني، إلى علاقتها باللون والتراث، مرورًا بالتعليم والممارسة والتجربة، ووصولًا إلى الإنسانة خلف الفنانة: ماذا علمها الفن عن نفسها؟ وكيف تغيرت نظرتها للحياة؟ وماذا بقي من الرحلة بعد المعارض والأعمال والإنجازات؟

وهنا خرجت «لذّة الحياة» من كونها حلقة عن فنانة تشكيلية إلى مساحة تتحدث عن حق الإنسان في أن يكون نفسه.

فليست المشكلة أن نتأثر بالآخرين؛ فنحن نتعلم منهم وننمو معهم، وإنما أن نعيش أعمارنا كاملة ونحن نقيس أنفسنا بمقاييسهم، حتى ننسى السؤال عن المساحة التي جئنا نحن لنضيفها.

وتواصل الشرقية الإعلامي رعايتها ودعمها لملتقى «ثلوثية (وماذا بعد؟)»، في مسار حواري يجمع الثقافة والفن والتجربة الإنسانية، ويمنح كل ضيف مساحة ليقدم الفكرة من زاويته، فيما يبقى السؤال هو الخيط الذي يصل بين الحلقات.

وربما تكون لذّة الحياة في أصدق صورها أن يعيش الإنسان متصالحًا مع جذوره، معتزًا باختلافه، حاضرًا في تفاصيله، وقادرًا في نهاية الرحلة على أن يقول:

هذه بصمتي، وهذا صوتي، وهذه المساحة التي أضيفها إلى العالم.

وعندها لا يعود سؤال «وماذا بعد؟» بحثًا عمّا ينقصنا فقط، بل يصبح سؤالًا أجمل:

بعد أن عرفتَ صوتك… ماذا ستصنع به؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top