هل تتسع الأوطان للعالم… أم يتسع العالم لوطن؟
من أين يأتي سؤالٌ قادر على أن يوقظ فينا كل هذا التأمل؟ سؤالٌ لا تصنعه قراءة ولا تثيره نشرة أخبار ولا يولد من حديث عابر بل ينبثق من ذلك المكان البعيد في داخل الإنسان حين يصمت كل شيء من حوله
هل هناك وطن يستطيع أن يحتوي العالم كله؟ في البدء،بدا لي السؤال مستحيلًا فالعالم أكبر من أن يُختزل في حدود وأوسع من أن تستوعبه جغرافيا لكن كلما مضيت في الفكرة وجدتني أقف أمام المملكة العربية السعودية وكأنها استثناء يربك المنطق قبل أن يدهش القلب
فما الوطن؟
أهو مساحة من الأرض؟ أم فكرة؟ أم رسالة؟ أم قلب يتسع لكل من قصده؟
ثمة أوطان تُعرف بحدودها وأخرى بتاريخها لكن هناك أوطانًا تُعرف بما تمنحه للعالم لا بما تأخذه منه والمملكة واحدة من تلك الأوطان هي الأرض التي تتلاقى عليها اللغات دون أن تحتاج إلى مترجم وتلتقي فيها الألوان دون أن يلغي أحدها الآخر وتجتمع فوق ترابها قلوب لم يجمعها نسب ولا عِرق ولا لغة وإنما جمعها مقصد واحد.
كل عام، يأتي إليها العالم محمولًا على الشوق حاجًا أو معتمرًا أو عاملًا أو باحثًا أو مستثمرًا أو زائرًا يبحث عن فرصة أو معرفة أو طمأنينة وكأن الكرة الأرضية على اتساعها تعرف طريقها إلى هذه البقعة الصغيرة في المساحة والعظيمة في المعنى حينها أدركت أن عظمة الأوطان لا تُقاس بالكيلومترات بل بعدد الأرواح التي تجد فيها مكانًا أمنناً لها
وربما لهذا بدت لي الفكرة التي بدأت بسؤال أكثر وضوحًا كلما تأملتها قد تبدو المملكة على خريطة العالم دولة بين الدول لكنها في معناها تتجاوز الخرائط وتقف خارج حدود التصنيف المعتاد إذ يجتمع في فضائها معنى الإنسان والمكان والرسالة والحضارة إنها ليست مركزًا لأن الخرائط قالت ذلك بل لأن القلوب اختارته وليست نقطة التقاء لأن الطرق تنتهي إليها بل لأن معاني كثيرة تبدأ منها ولهذا كلما حاولت أن أضعها في إطار الجغرافيا أفلتت إلى التاريخ وإذا قيدتها بالتاريخ امتدت إلى الرسالة وإذا ظننت أن رسالتها تخص شعبًا واحدًا وجدتها تخاطب الإنسانية كلها ولعل الأوطان العظيمة لا تكبر حين تتسع حدودها بل حين تتسع صدورها
هناك أماكن نزورها ثم نغادرها وأماكن نسكنها ثم نرحل عنها لكن هناك أوطانًا لا تغادر الإنسان لأنها لا تسكن ذاكرته فحسب بل تسكن رؤيته للعالم ولهذا لم يعد السؤال بالنسبة لي هل تتسع الأوطان للعالم أم يتسع العالم لوطن؟ ربما كانت الإجابة أعمق من الاثنين فالمملكة وطنٌ تتسع له الإنسانية حتى يبدو العالم كله على اتساعه ضيفًا في قلبها بينما تبقى هي أكبر من أن تحتويها الحدود… لأنها تسكن في معنى الوطن نفسه
السعودية وطن للعالم كاملاً لأنها وطن أكبر من حدوده.

