بقلم – مريم حميد السلمي – كاتبة سعودية في كثير من الأحيان، نظن أننا لا نستطيع تعلُّم اللغات الأخرى، لكننا مع الممارسة والاستمرار نكتشف أن ما ظنناه صعبًا في البداية يمكن أن يصبح أمرًا مألوفًا، حتى نصل في النهاية إلى ما نطمح إليه
وهكذا هي لغة الإشارة؛ فالبعض يعتقد أنها لغة صعبة جدًا، بينما يرى البعض الآخر أنها غير مهمة، متناسين أن فئة الصم جزء لا يتجزأ من نسيج المجتمع، وأننا قد نلتقي بهم في مختلف الأماكن، وقد نتعامل معهم في مواقف متعددة تتطلب منا القدرة على التواصل والفهم.
موقف إنساني في طوارئ مستشفى اليمامة
في مستشفى اليمامة بالعاصمة الرياض، روى مشرف الطوارئ الأستاذ بسام أحمد الغامدي موقفًا إنسانيًا مرّ به أثناء عمله، عندما حضر إلى قسم الطوارئ أب وأم من فئة الصم، برفقة طفلهما الصغير الذي كان يعاني من حالة مرضية.
يذكر الغامدي صعوبة الموقف في تلك اللحظة، إذ لم يكن قادرًا على فهم ما يريد الوالدان التعبير عنه، فقد كانا يتواصلان بلغة الإشارة، بينما لم يكن يمتلك المعرفة الكافية بها. ومع ذلك، حاول جاهدًا مساعدتهما بكل الطرق الممكنة، وظل مرافقًا لهما، محاولًا الوصول إلى ما يحتاجه الطفل وتقديم المساعدة اللازمة.
وفي تلك اللحظة، علم الطبيب عبدالعزيز العنزي، الذي يعمل أيضًا في قسم الطوارئ بالمستشفى، بوجود الأسرة، فتمكن من التواصل معهم وفهم احتياجاتهم بسهولة؛ لأنه سبق أن تعلّم لغة الإشارة من خلال برامج تدريبية قدمتها الأستاذة عمشاء الدوسري عبر شبكة الإنترنت، وهي برامج أسهمت في إتاحة تعلم لغة الإشارة لعدد كبير من الأشخاص، انطلاقًا من أهداف إنسانية ومجتمعية نبيلة.
قصة بدأت من داخل المنزل
الأستاذة عمشاء الدوسري امرأة سعودية تحمل رخصة مترجمة من الجمعية السعودية لمترجمي لغة الإشارة منذ عام 2020م.
بدأت علاقتها بلغة الإشارة منذ طفولتها، فقد تعلمتها من والدتها التي كانت من فئة الصم، وكانت تستخدم الإشارة إلى الأشياء المحيطة بها وتحريك يديها لتعليم ابنتها معانيها، حتى تمكنت عمشاء مع مرور الوقت من فهم والدتها والتواصل معها ومساعدتها عند الحاجة.
ولم تكن تلك التجربة مجرد وسيلة للتواصل داخل المنزل، بل أصبحت فيما بعد أساسًا لمسيرة ساهمت من خلالها في تعليم الآخرين لغة الإشارة، ونشر الوعي بأهميتها، وإيصال رسالة مفادها أن التواصل حق مشترك بين جميع أفراد المجتمع.
لغة الإشارة مسؤولية مجتمعية
لذلك، لا يمكننا إهمال هذا الجانب المهم من حياتنا، خصوصًا أننا نعيش في مجتمع يسعى دائمًا إلى المحافظة على الانتماء المجتمعي، والتلاحم، والتطور في مختلف المجالات.
ومن هنا، تقع على عاتقنا جميعًا مسؤولية الاهتمام بتعلم أساسيات لغة الإشارة، وتعليم أبنائنا منذ الصغر مبادئ التواصل مع فئة الصم، حتى تصبح هذه اللغة جزءًا طبيعيًا من ثقافتنا المجتمعية، وليست مهارة نلجأ إليها فقط عند الحاجة.
كما أن دعم مشاركة الصم في الأوبريتات، والمحافل الوطنية، والفعاليات المجتمعية، والمسارح التي تحمل رسائل إيجابية للمجتمع، يمثل صورة حقيقية من صور المشاركة والاندماج، ويؤكد أن الاختلاف في طريقة التواصل لا يعني الاختلاف في قيمة الإنسان أو قدرته على العطاء.
لذلك، فإن المفهوم الأعمق لهذه اللغة التعبيرية والجذابة، لغة الإشارة، يكمن في قدرتها على نقل المشاعر، وتجسيد الأفكار، والتعبير عن الاحتياجات، ورواية قصص إنسانية تتجاوز حدود الكلمات.
وكلما تعلمناها، اقتربنا أكثر من بعضنا، واتسعت دائرة التواصل بين أفراد المجتمع.
ولن تكون في أجيالنا القادمة لغة مبهمة أو صعبة، إذا بدأنا اليوم بخطوة بسيطة: أن نتعلم، ونعلّم، ونفتح أبواب التواصل للجميع.

