عزّنا بطبعنا: قيم راسخة في ذاكرة الوطن

بقلم : د . جملاء بنت مبارك المري

بمشاعر ملؤها الفخر والاعتزاز، وفي غمرة احتفالاتنا بذكرى اليوم الوطني، يشرفنا أن نرفع أسمى آيات التهاني والتبريكات إلى مقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وإلى مقام صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظهما الله-.
يعد اليوم الوطني السعودي مناسبة وطنية نستذكر فيها حدثاً مفصلياً في تاريخ شبه الجزيرة العربية، وهو إعلان توحيد المملكة العربية السعودية، ذلك الإعلان الذي توج رحلة طويلة من الكفاح السياسي والعسكري قادها الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، رحمه الله، لتوحيد أجزاء البلاد المتفرقة وجمعها في دولة واحدة تنعم بالأمن والاستقرار
وفي هذا المناسبة نتأمل ما تحقق للوطن من إنجازات، ونستعيد قيمة الوحدة الوطنية بوصفها أساسأ قامت عليه مسيرة المملكة العربية السعودية، وركيزة استندت إليها في بناء حاضرها ومستقبلها. فقد كانت مناطق البلاد قبل التوحيد تعيش أوضاعا سياسية وإدارية متباينة ، وتعددت فيها مراكز النفوذ والسلطة، كما شهدت اضطراباً في الأوضاع الأمنية وعدم الاستقرار.
و مع استرداد الملك عبد العزيز مدينة الرياض في الخامس من شوال عام 1319هـ الموافق 15 يناير 1902م، بدأت مرحلة جديدة في تاريخ البلاد، شكلت نقطة لمشروع سياسي وطني أسهم تدريجياً في توحيد مناطق وأقاليم متعددة ضمن كيان واحد. وعندما توطدت أركان الدولة واتسعت رقعتها الجغرافية صدر المرسوم الملكي بإعلان توحيد البلاد تحت اسم “المملكة العربية السعودية في السابع عشر من جمادى الأولى عام 1351هـ الموافق الثامن عشر من سبتمبر 1932م ليصبح هذا التاريخ علامة تاريخية فارقة في مسيرة الدولة ، ويرسّخ قيام كيان سياسي موحد يقوم على وحدة الأرض والقيادة والنظام.
وهنا تبرز أهمية النظر إلى هذا الانضمام من منظور تاريخي أوسع؛ فالدولة السعودية لم تكن بصدد جمع مناطق متفرقة فحسب ، بل أسست لمرحلة جديدة من بناء الوطن، أتاح فيها الاستقرار للدولة والمجتمع الانتقال إلى آفاق أوسع من التنمية والتكامل. وفي الوقت ذاته، لم تؤدِّ هذه الوحدة الوطنية الجامعة إلى إلغاء الخصوصيات المحلية، بل ظلت مناطق المملكة محتفظة بثرائها الثقافي والاجتماعي، بما تحمله كل منطقة من عادات وتقاليد وقيم وتجارب تاريخية أسهمت في تشكيل الشخصية الوطنية السعودية في صورتها المتنوعة.
؛ فالمملكة العربية السعودية وطن واحد، تتعدد داخله البيئات والثقافات والتقاليد، وبالتالي أصبح هذا التنوع جزءًا من ثراء التجربة السعودية، بحيث تتكامل خصوصيات المناطق مساهمة في إثراء هويتها الوطنية.
وفي هذا السياق يأتي شعار اليوم الوطني لهذا العام «عزّنا بطبعنا» ليعبر عن قيم متجذرة في المجتمع السعودي، تتجلى في مختلف مناطق المملكة العربية السعودية بصور متعددة، وتلتقي في دلالتها على الاعتزاز بالهوية والانتماء. فالأصالة، والجود، والشجاعة، والهمة، والرؤية ليست مجرد قيم منفصلة، وإنما سمات راسخة شكلت جانباً من ملامح تاريخ المجتمع السعودي وجسدت في تجربته في بناء الوطن.
وتتجلى هذه القيم في المواقف والممارسات التي صاحبت مسيرة التوحيد، ثم امتدت إلى مراحل بناء الدولة وتنميتها، لتصبح جزءًا من الذاكرة الوطنية ومن الصورة التي يعتز بها أبناء المملكة العربية السعودية. وهكذا يلتقي «عزّنا بطبعنا» مع قصة وطن تأسس على الوحدة، وازداد ثراءً بتنوع مناطقه وثقافاته، واستمر في بناء مستقبله مستندًا إلى قيم راسخة وهوية وطنية جامعة.
حفظ الله المملكة العربية السعودية، وأدام عليها أمنها واستقرارها ووحدتها، وجعلها دائماً نموذجاً للوطن المزدهر

د/ جملاء بنت مبارك المري
أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بقسم التاريخ والتراث
وكيلة الشؤون الأكاديمية لكلية الآداب بجامعة الإمام عبدالرجمن بن فيصل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top