من 200 مليون إلى أكثر من 2.2 مليار ريال.. الاستثمار البلدي من تنمية الإيرادات إلى صناعة المستقبل

بقلم : عاطف بن علي الأسود

لم تعد الاستثمارات البلدية تقتصر على استثمار الأصول أو تحقيق إيرادات إضافية، بل أصبحت جزءا من منظومة اقتصادية وتنموية أوسع، ترتبط بقدرة المدن على تنمية مواردها ورفع كفاءة أصولها واستقطاب رؤوس الأموال وتعزيز مشاركة القطاع الخاص ودعم مستهدفات رؤية السعودية 2030.

وتقدم أمانة المنطقة الشرقية نموذجا يستحق التوقف أمامه من زاوية الأرقام المالية والاستثمارية، وما تعكسه من تحول في مفهوم الاستثمار البلدي من إدارة الأصول إلى صناعة فرص اقتصادية وتنموية.

من 200 مليون إلى أكثر من 2.2 مليار ريال

تظهر الأرقام المتداولة حجم التحول في الإيرادات البلدية بالمنطقة الشرقية، حيث ارتفعت الإيرادات من نحو 200 مليون ريال في عام 2014 إلى نحو ملياري ريال في عام 2025، مع تجاوزها 2.2 مليار ريال وفق الأرقام اللاحقة المتداولة.

وبحساب النمو بين المستويين، فإن الإيرادات تضاعفت أكثر من عشر مرات خلال هذه الفترة، وهو تحول مالي كبير يعكس اتساع النشاط الاقتصادي والاستثماري وتطور آليات الاستفادة من الأصول والفرص البلدية.

ولا تكمن أهمية الرقم في حجمه فقط، وإنما في دلالته على انتقال الاستثمار البلدي من مفهوم محدود يرتبط بتحصيل الإيرادات إلى منظومة أكثر اتساعا تستهدف تعظيم القيمة الاقتصادية للأصول ورفع كفاءة الموارد وتعزيز الاستدامة المالية.

أكثر من 30 مليار ريال في الاستثمارات

وعلى مستوى حجم الاستثمارات، تشير البيانات المتداولة إلى تجاوز الاستثمارات المرتبطة بمشروعات الأمانة 30 مليار ريال خلال الفترة من 2020 إلى 2025، إضافة إلى استثمارات أجنبية تقدر بنحو 7 مليارات ريال.

وهنا تظهر أهمية الفصل بين المؤشرات المالية المختلفة. فالإيرادات البلدية تمثل أموالا محققة، بينما تمثل قيمة الاستثمارات والعقود حجم النشاط الاستثماري المرتبط بالمشروعات. أما الأثر الاقتصادي الحقيقي فيرتبط بما يتم تنفيذه وتشغيله وتحقيقه من عوائد وخدمات وفرص عمل وقيمة مضافة.

ولهذا فإن قراءة هذه الأرقام بصورة متكاملة تعطي صورة أكثر دقة عن حجم الحركة الاستثمارية، بدلا من التعامل مع كل رقم باعتباره مؤشرا واحدا للأداء.

الإيرادات ليست رقما ماليا فقط

ارتفاع الإيرادات البلدية لا تقتصر أهميته على الجانب المالي، بل يرتبط بقدرة المنظومة البلدية على توظيف مواردها وفقا للأنظمة والاعتمادات المعتمدة في دعم أولويات التطوير وتحسين الخدمات والمرافق ورفع كفاءة التشغيل والصيانة والاستفادة من الأصول.

فالإيراد عندما يدخل ضمن المنظومة المالية للجهة لا يمثل نهاية العملية الاستثمارية، بل يصبح أحد عناصر القدرة على التخطيط والإنفاق والتطوير وتحسين مستوى الخدمات العامة، بما ينعكس على المدينة وسكانها وبيئتها الاستثمارية.

كما أن ارتفاع الإيرادات وتحسن كفاءة استثمار الأصول يساعدان على تعزيز الاستدامة المالية وتقليل الفجوة بين الاحتياجات التنموية والموارد المتاحة، وهو ما يجعل الإدارة المالية والاستثمارية جزءا أساسيا من مستقبل المدن.

109%لتغطية التكاليف التشغيلية

ومن المؤشرات التي تستحق الدراسة كذلك ما تم تداوله بشأن وصول نسبة تغطية التكاليف التشغيلية إلى نحو 109% في عام 2025.

ويمثل هذا المؤشر أهمية من زاوية الاستدامة المالية، لأنه يعكس العلاقة بين الموارد والتكاليف التشغيلية، إلا أن دلالته النهائية تعتمد على منهجية الاحتساب ونطاق الإيرادات والتكاليف الداخلة في المؤشر.

ولهذا فإن الأهم مستقبلا ليس فقط الإعلان عن نسبة التغطية، وإنما تطوير مؤشرات مالية أكثر تفصيلا تقيس تكلفة الخدمات وكفاءة التشغيل والعائد على الأصول والتكلفة والعائد للمشروعات الاستثمارية.

الاستثمار ودعم المؤشرات الوطنية

الأرقام السابقة لا تنعكس على الإيرادات البلدية وحدها، بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد الوطني من خلال جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية وتمكين القطاع الخاص وتطوير القطاعات الاقتصادية وخلق فرص العمل وتحسين جودة الحياة ورفع كفاءة استخدام الأصول.

ومن هنا يصبح الاستثمار البلدي أحد الأدوات التي يمكن أن تسهم في دعم مؤشرات وطنية متعددة مرتبطة بنمو القطاع الخاص وجذب الاستثمار وتحسين كفاءة الإنفاق وتعزيز التنافسية والاستدامة المالية وجودة الحياة.

فالاستثمار بقيمة 30 مليار ريال، والاستثمارات الأجنبية بنحو 7 مليارات ريال، لا تمثل مجرد أرقام في قوائم مالية أو إعلانات استثمارية، وإنما تعكس حجم رأس المال الذي يمكن أن يدخل في دورة اقتصادية تشمل الإنشاء والتطوير والتشغيل والخدمات وسلاسل الإمداد وفرص العمل.

إشراق وتحويل الأصول إلى فرص

وفي هذا السياق تأتي أهمية المبادرات التي تستهدف تحويل الأصول البلدية والفرص المتاحة إلى مشروعات قابلة للاستثمار، مع توسيع مساحة الشراكة مع القطاع الخاص واستقطاب الخبرات ورؤوس الأموال.

وتبرز شركة إشراق للتطوير والتنمية ضمن منظومة العمل الاستثماري المرتبطة بأمانة المنطقة الشرقية، في توجه يستهدف تطوير الفرص والمشروعات وتعزيز الشراكة مع المستثمرين، بما يساعد على تحويل الأصول والفرص إلى قيمة اقتصادية قابلة للقياس.

والنجاح هنا لا يقاس بقيمة الفرصة أو توقيع العقد فقط، وإنما بما يتحقق بعد ذلك من تنفيذ فعلي وتشغيل مستدام وعوائد اقتصادية وخدمات وفرص عمل وقيمة مضافة للمدينة.

الرقم المالي.. بداية القياس وليس نهايته

إن المرحلة المقبلة تتطلب قراءة أعمق للأرقام المالية. فارتفاع الإيرادات من 200 مليون ريال إلى أكثر من 2.2 مليار ريال يمثل مؤشرا مهما، لكن السؤال الأهم هو: ماذا تحقق مقابل هذا النمو؟

والإجابة ينبغي أن تقاس من خلال مجموعة من المؤشرات، تشمل حجم الاستثمارات المنفذة، والعوائد المتحققة، ونسبة إشغال وتشغيل الأصول، وفرص العمل، وكفاءة التشغيل، ومستوى الخدمات، وجودة المشروعات، والأثر الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.

كما أن ربط الاستثمار بالاستدامة البيئية أصبح جزءا من الاقتصاد الحضري الحديث، من خلال كفاءة استخدام الطاقة والمياه وتقليل الهدر والنفايات وتحسين كفاءة الموارد، بما يحافظ على القيمة الاقتصادية للأصول على المدى الطويل.

من الإيراد إلى القيمة الاقتصادية

تكشف تجربة الاستثمار البلدي في المنطقة الشرقية أن الإيرادات والاستثمارات لا ينبغي أن ينظر إليها باعتبارها أرقاما منفصلة، بل باعتبارها حلقات مترابطة في منظومة اقتصادية تبدأ من الأصل والفرصة، ثم الاستثمار، ثم الإيراد، ثم التطوير والتشغيل، وصولا إلى الأثر الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.

وعندما ترتفع الإيرادات من 200 مليون ريال إلى أكثر من 2.2 مليار ريال، وتتجاوز الاستثمارات 30 مليار ريال، وتصل الاستثمارات الأجنبية إلى نحو 7 مليارات ريال، فإن قراءة هذه الأرقام تصبح ضرورية لفهم حجم التحول الذي تشهده منظومة الاستثمار والتنمية الحضرية في المنطقة الشرقية.

فالنجاح الحقيقي للاستثمار البلدي لا يقاس بحجم الإيرادات وحده، ولا بقيمة الاستثمارات المعلنة فقط، وإنما بقدرة هذه الموارد على التحول إلى مشروعات منفذة وخدمات أفضل وأصول أكثر كفاءة واقتصاد أكثر نشاطا ومدن أكثر استدامة.

وهنا تبرز القيمة الحقيقية للاستثمار البلدي: أن تتحول الأصول إلى فرص، والفرص إلى استثمارات، والاستثمارات إلى إيرادات، والإيرادات إلى تنمية مستدامة تدعم الاقتصاد الوطني وتخدم الإنسان والمكان.
———————-
عاطف بن علي الأسود
مستشار استثماري للقطاع الخاص
شركة إشراق للتطوير والتنمية- امانة المنطقة الشرقية
البريد الإلكتروني: sir.atif@hotmail.com
X: @Xalaswadatif

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top