السعودية بلغة الأرقام.. اقتصاد يتنوع واستثمارات ترسم ملامح المستقبل

حملت كلمة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز أمام مجلس الشورى في 30 سبتمبر 2026 رسائل اقتصادية وتنموية مهمة، لم تقتصر على استعراض ما تحقق خلال عشر سنوات من رؤية السعودية 2030، بل تناولت قدرة الاقتصاد الوطني على التكيف مع المتغيرات، وتعزيز الاستثمار، وتوسيع دور القطاع الخاص في بناء اقتصاد أكثر تنوعا واستدامة.

ولعل أبرز ما يميز الخطاب هو لغة الأرقام التي تعكس حجم التحول الاقتصادي؛ فقد حققت مؤشرات أداء برامج واستراتيجيات رؤية 2030 نسبة 93% من مستهدفاتها، ونمت الصادرات غير النفطية بنسبة 155% مقارنة بعام 2016، فيما ارتفعت مساهمة القطاع الخاص إلى 51% من الاقتصاد. كما أشار سموه إلى تقدم المملكة في مؤشرات الجاهزية الرقمية وتنمية الاتصالات والتقنية والأمن السيبراني، وإلى دخولها قائمة الدول العشر الأكثر جاذبية للاستثمار التعديني. .

هذه الأرقام تعكس اتساع قاعدة الاقتصاد السعودي، وتؤكد أن التنويع لا يعني الاستغناء عن النفط، بل بناء قطاعات جديدة قادرة على توليد الدخل، وتعزيز الصادرات، وخلق فرص العمل، وزيادة قدرة الاقتصاد على مواجهة الأزمات العالمية.

المستثمرون في قلب المرحلة المقبلة

تكتسب الإشارة إلى استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة للسنوات الخمس المقبلة أهمية خاصة، إذ تركز على بناء منظومات اقتصادية محلية ذات قدرات تنافسية، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، ورفع المحتوى المحلي، وتحقيق عوائد مالية مستدامة، بالتكامل مع دور صندوق التنمية الوطني في تمويل القطاعات الواعدة.

وبالنسبة للمستثمرين، فإن هذه التوجهات تعني أن الفرص لا تقتصر على المشروعات الكبرى، بل تمتد إلى الصناعة والتعدين والسياحة والخدمات اللوجستية والتقنية والذكاء الاصطناعي والخدمات الصحية وغيرها من الأنشطة القادرة على تحقيق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.

والأهم أن نجاح الاستثمار لا يقاس بحجم رأس المال وحده، بل بقدرته على نقل التقنية والمعرفة، وتطوير الكفاءات الوطنية، ورفع الإنتاجية، وتعزيز الصادرات، وبناء مشروعات مستدامة تحقق عوائد اقتصادية واجتماعية.

المنطقة الشرقية.. نموذج بالأرقام

تمثل المنطقة الشرقية مجالا مهما لترجمة هذه التوجهات إلى فرص عملية، لما تمتلكه من قاعدة صناعية وموقع استراتيجي وبنية تحتية تدعم قطاعات الطاقة والصناعة والخدمات اللوجستية والسياحة.

وفي الاستثمار البلدي، تجاوزت قيمة الاستثمارات الأجنبية المرتبطة بعقود أمانة المنطقة الشرقية 7 مليارات ريال، عبر 106 عقود استثمارية شملت 61 مستثمرا من 18 دولة، ضمن مشروعات استثمارية تشرف عليها الأمانة تتجاوز قيمتها الإجمالية 30 مليار ريال.

كما تجاوزت الإيرادات الاستثمارية للأمانة 2.25 مليار ريال خلال عام 2025، وهو ما يبرز أهمية تطوير الأصول البلدية وتحويلها إلى فرص استثمارية تدعم الإيرادات وتوسع النشاط الاقتصادي.

وتؤكد هذه التجربة أن الاستثمار البلدي يمكن أن يكون رافدا للتنمية عندما تتكامل جهود الأمانة والجهات المختصة والمستثمرين، وتتحول الأصول إلى مشروعات منتجة توفر فرص العمل وتدعم السياحة والخدمات وتحسن جودة الحياة.

وفي هذا الإطار، تبرز أهمية تطوير الفرص الاستثمارية بالتكامل مع القطاع الخاص، وهو مجال يمكن أن تسهم فيه شركة إشراق للتطوير والتنمية ضمن منظومة التنمية الشاملة للمنطقة الشرقية.

الإنسان والتقنية والاستقرار

لم يقتصر الخطاب على الاقتصاد والاستثمار، بل أكد أهمية التعليم والصحة وتنمية رأس المال البشري، إلى جانب التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي وتحسين جودة الحياة. فالتعليم يهيئ الكفاءات لسوق العمل، والصحة تحافظ على القدرات البشرية، والتقنية ترفع الإنتاجية وتفتح مجالات جديدة للابتكار والاستثمار.

كما تناول الخطاب أمن الطاقة والممرات البحرية والأمن الخليجي والتحديات الإقليمية، مؤكدا أهمية حماية المصالح الوطنية ودعم الحلول الدبلوماسية وخفض التصعيد. وهذه الملفات ترتبط مباشرة باستقرار الأسواق وسلاسل الإمداد وتهيئة البيئة اللازمة لاستمرار التجارة والاستثمار.

من الأرقام إلى العائد المستدام

تكشف مضامين الخطاب أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من قياس حجم الإنجاز إلى تعظيم أثره. فارتفاع مساهمة القطاع الخاص ونمو الصادرات غير النفطية وتوسع الفرص الاستثمارية يجب أن تنعكس على الإنتاجية والتوظيف والمحتوى المحلي واستدامة الإيرادات.

وتقدم المنطقة الشرقية نموذجا يوضح كيف يمكن أن تتكامل التوجهات الوطنية مع الاستثمارات المحلية والأجنبية، بما يدعم تنويع مصادر الدخل ويعزز قدرة الاقتصاد على المنافسة.

إن المملكة لا تستهدف زيادة الاستثمارات فحسب، بل تسعى إلى بناء اقتصاد منتج تتعدد فيه مصادر الدخل، وتتسع فيه فرص المستثمرين، وتتحول فيه الأرقام إلى نتائج ملموسة للمواطن والاقتصاد والأجيال القادمة.
—————————-
عاطف بن علي الأسود
مستشار الأستثمار للتطوير والتنمية
شركة إشراق للتطوير والتنمية – أمانة المنطقة الشرقية
البريد الإلكتروني: sir.atif@hotmail.com
X: @Xalaswadatif

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top