الحذف حبة بندول

بقلم هناء الخويلدي

لا نعرف كيف فعلناها حتى اليوم؟
كيف أصبح في مقدور إنسان أن يحذف إنسانًا آخر من هاتفه ومن قائمة أصدقائه ومن حساباته ثم يمضي في يومه كأن شيئًا لم يكن كيف يمكن لاسم كان يومًا يضيء الشاشة أن يتحول بضغطة واحدة إلى اسم ممنوع من الظهور؟ وكيف أمكننا أن ننتقل بهذه السرعة من معرفة تفاصيل يوم شخص آخر ماذا أحب وماذا أزعجه وأين ذهب ومتى نام إلى ألا نعرف عنه شيئًا؟
كأننا لم نجلس طويلًا نتحدث كأننا لم نضحك حتى الفجر كأن هناك أيامًا لم تكن لنا وذكريات لم تسكننا وأحاديث لم تقل لنا شيئًا الأغرب أننا لم نكن هكذا دائمًا كان الإنسان يحتاج إلى وقت طويل كي يخرج أحدهم من حياته كانت الأشياء تتلاشى ببطء
صورة تحفظ في صندوق رسالة تطوى ومكان يمر به المرء فيستعيد وجهًا غائبًا كان النسيان عملية شاقة تشبه شفاء الجرح لا قرارًا يمكن تنفيذه بضغطة زر أما اليوم فقد أصبح بإمكاننا أن نمارس الفراق بطريقة تشبه تنظيف شاشة الهاتف إلغاء متابعة
حذف حظر محادثة تمحى رقم يحذف ثم نضع الهاتف جانبًا ونكمل يومنا وكأن التكنولوجيا لم تمنحنا القدرة على التواصل فقط بل منحتنا أيضًا قدرة غريبة على محو الطريق المؤدي إلى الآخرين لكن هل محو الطريق يعني أن الشخص لم يعد موجودًا في داخلنا هنا تكمن المفارقة فنحن لا نحذف الأشخاص حقًا نحن نحذف إمكانية الوصول إليهم نحذف صورهم من الهاتف لكننا لا نستطيع حذف الصورة التي تركوها في ذاكرتنا نغلق حساباتهم أمام أعيننا لكننا لا نملك زرًا لإغلاق الأماكن التي مروا بها في أرواحنا قد نمنع الاسم من الظهور على الشاشة لكنه يظل قادرًا على الظهور في أغنية أو شارع أو رائحة أو جملة يقولها شخص غريب دون أن يعرف أنه أعاد إلينا إنسانًا كاملًا ولهذا ربما كان أكثر ما يخدعنا في وسائل التواصل الاجتماعي أنها أقنعتنا بأن الاختفاء الرقمي هو اختفاء حقيقي لكنه ليس كذلك إنه مجرد اختفاء من المشهد أما الذاكرة فلا تعمل وفق قوانين التطبيقات لا يوجد فيها زر حذف نهائي ولعلنا اخترعنا للحذف وظيفة أخرى دون أن نشعر أصبح الحذف حبة بندول مسكنة للألم نأخذها حين يؤلمنا حضور أحدهم فتخف وطأة الألم قليلًا نحذف صوره فنرتاح نلغي متابعته فنهدأ نحظر رقمه فنشعر أننا استعدنا شيئًا من السيطرة ثم يمضي مقدار معين من الوقت تهدأ النفس ويخفت الغضب ويعود الفضول أو يشتد الحنين أو تتسلل إلينا رغبة في معرفة ما الذي حدث بعدنا فنعود إلى السؤال نفسه ماذا يفعل الآن هل ما زال يتذكر هل تغير هل هو بخير هل نسي؟؟
وهكذا يصبح الحذف أشبه بالمسكن الذي يخفف الألم ولا يعالج سببه جرعة من الحذف ثم هدنة ثم عودة الألم ثم جرعة أخرى وقد يكون الأمر أكثر غرابة من ذلك
فنحن أحيانًا لا نحذف لأننا نسينا بل نحذف لأننا نعرف أننا لن نستطيع النسيان إذا ظل الباب مفتوحًا نحذف كي لا نرى ولا نرى كي لا نتذكر ولا نتذكر كي نقنع أنفسنا أننا تجاوزنا
ثم نكتشف بعد وقت أن الإنسان الذي حاولنا إخراجه من الشاشة ظل مقيمًا في مكان أعمق منها بكثير كان بعضنا في الماضي يخشى أن يلغي متابعة شخص حتى لا يجرح مشاعره أما اليوم فقد نحذف إنسانًا كاملًا من حياتنا لأن صورته ظهرت أمامنا في لحظة لم نكن مستعدين فيها لرؤيته لقد أصبحنا أكثر حساسية تجاه حضور الآخرين وأقل قدرة على احتمال أثرهم نحن لا نريد أن نرى من يؤلمنا وهذا مفهوم لكننا أحيانًا لا نحذف الشخص لأننا تجاوزناه بل لأننا لم نتجاوزه بعد وهذه حقيقة لا نحب الاعتراف بها
فاللامبالاة الحقيقية لا تحتاج إلى حظر
الإنسان الذي لم يعد يعني لك شيئًا لا يحتاج إلى أن تمنعه من الظهور أمامك لأن ظهوره لن يغير شيئًا فيك أما ذلك الذي يربكك اسمه وتوجعك صورته وتستفزك أخباره فقد يكون ما زال يحتل مكانًا فيك حتى لو أغلقت كل الأبواب المؤدية إليه ولذلك ليس كل حذف نسيانًا أحيانًا يكون الحذف طريقة مؤقتة لحماية القلب من شيء لم يتعلم بعد كيف يراه دون أن يتألم لكن ثمة شيء آخر تغير فينا
صرنا نعرف أخبار أناس لا نعرفهم ونشاهد تفاصيل حياة أشخاص لم نجلس معهم يومًا ونتابع نجاحاتهم وسفراتهم ومناسباتهم ووجوه أطفالهم وفي الوقت نفسه قد يصبح إنسان كان يومًا جزءًا من تفاصيلنا شخصًا لا نعرف حتى إن كان بخير يا للمفارقة
العالم صار أكثر اتصالًا والإنسان أكثر عزلة
نستطيع أن نصل إلى الطرف الآخر من الأرض في ثوان لكننا قد نعجز عن الوصول إلى شخص كان بالأمس يسكن أقرب نقطة إلى قلوبنا وهكذا أصبح القرب في عصرنا مسألة تقنية بينما كان في الأصل مسألة إنسانية

قد يكون شخص على بعد آلاف الكيلومترات أقرب إلينا من شخص يجلس في الغرفة المجاورة وقد يكون شخص محذوف من الهاتف حاضرًا فينا أكثر من ألف اسم ما زال في قائمة المتابعين فهل ننسى حقًا ؟
ربما نعم ولكن ليس بالطريقة التي نتخيلها
فالنسيان ليس أن يصبح الإنسان غريبًا تمامًا ولا أن نتذكره فلا نشعر بشيء النسيان الحقيقي ربما هو أن تتغير علاقتنا بالذكرى
أن تتذكر ولا تنهار أن يمر الاسم في ذهنك دون أن تبحث عنه أن تسمع الأغنية التي كانت تجمعكما فلا تشعر أنك مضطر إلى تغييرها أن تمر بالمكان الذي شهد حديثًا قديمًا فتبتسم للزمن بدل أن تحزن على الشخص أن تدرك أن بعض الناس لم يأتوا إلى حياتنا ليبقوا وإنما ليتركوا فيها شيئًا ثم يمضوا فالإنسان لا ينسى كل من أحب إنه يتعلم فقط كيف يحمل ذكراهم دون أن يحمل وجعهم وهنا يصبح الماضي ماضيًا بالفعل لذلك ربما لا تكون المشكلة في أن نحذف بعضنا أحيانًا يكون الحذف ضرورة وحدًا صحيًا وبابًا نحتاج إلى إغلاقه كي نستطيع النجاة لكن المشكلة تبدأ عندما نتصور أن إغلاق الباب أغلق الغرفة أيضًا
الغرفة ما زالت في داخلنا والذكريات لا تغادر لأننا ألغينا متابعتها نحن نحتاج إلى شيء أعمق من الحذف كي نتعافى نحتاج إلى أن نفهم ما حدث وأن نقبل ما لم نستطع تغييره وأن نتصالح مع النسخة القديمة منا التي أحبت وثقت وانتظرت وربما أخطأت
الحل ليس أن نحذف كل من أوجعنا ولا أن نبقي كل من رحلزالحل أن نصل إلى تلك المسافة الناضجة التي لا نحتاج فيها إلى مراقبة الغائب ولا إلى معاقبته بالحظر ولا إلى إثبات أننا تجاوزناه أن يصبح وجوده أو غيابه شيئًا لا يحدد سلامنا لقد اختصرنا العلاقات في زمننا إلى أشياء صغيرة جدًا
متابعة بدأت متابعة ألغيت صورة حذفت
رقم حظر رسالة كتبت ثم مسحت اسم اختفى من الشاشة لكن العلاقات الإنسانية أكبر من شاشاتها فالذي أحببناه لم يكن حسابًا إلكترونيًا كان صوتًا ووقتًا ووجهًا وذاكرة ونسخة من أنفسنا عشناها إلى جواره
ولهذا لا يكفي أن نحذف الاسم كي نحذف الإنسان ولا يكفي أن نغلق الحساب كي نغلق الماضي ولا يكفي أن نقول نسيت كي يصبح النسيان حقيقة نحن لا ننسى الأشخاص كما نحذف الملفات نحن نضعهم مع الوقت في مكان آخر مكان لا نذهب إليه كل يوم لكنه يظل موجودًا ثم تأتي لحظة بعد سنوات ربما نسمع فيها اسمًا يشبه اسمه أو نمر بمكان كان يعرفنا فيه أو تلامسنا أغنية قديمة فنكتشف أن الإنسان لم يختف تمامًا لقد اختفت حاجتنا إليه فقط وهذا ربما هو النسيان الحقيقي ألا يموت الإنسان من ذاكرتنا بل يموت احتياجنا إلى عودته
وحين نصل إلى تلك النقطة لا نحتاج إلى حذف أحد نتركه في مكانه الذي انتهت عنده الحكاية ونكمل الطريق ليس لأن ما كان بيننا لم يكن مهمًا بل لأنه كان مهمًا إلى درجة أننا لا نحتاج إلى إنكاره كي نواصل الحياة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top