بثلم – عيد عبدالله الناصر
قبل سنوات، كان شراء وثيقة التأمين يبدأ غالبًا بلقاء مباشر يجمع العميل بمندوب شركة التأمين أو الوسيط. يجلس الطرفان، يتبادلان الأسئلة والمعلومات، يناقشان التغطيات والشروط والاستثناءات، وقد يطلب العميل تعديلًا أو تفسيرًا قبل أن اتخاذ قراره النهائي. وكانت رحلة التأمين حينها واضحة المعالم: تقديم الطلب، دراسة الخطر، تقديم السعر والشروط، القبول أو الرفض، إجراء التعديلات عند الحاجة، ثم إصدار إشعار التغطية والوثيقة.
اليوم تغير المشهد تمامًا؛ إذ يستطيع العميل الدخول إلى موقع إلكتروني أو تطبيق ذكي، فيدخل بياناته، ويحصل على السعر، ويقارن بين الخيارات، ثم يدفع القسط وتصله وثيقته خلال دقائق معدودة، وربما دون أن يتواصل مع أي عنصر بشرّي.
لكن هل تغير جوهر التأمين نفسه؟ في الاعتقاد الراجح، لم تتغير الخطوات الأساسية كثيرًا؛ فما زال هناك طلب تأمين، ومعلومات عن الخطر، وتسعير، وقبول أو رفض، وشروط وتغطيات، ودفع للقسط، وإصدار للوثيقة. إنما الذي تغير حقًا هو الصيغة التي تتم بها هذه الخطوات، والطرف الذي ينجزها، ومقدار التفاعل البشري المصاحب لها.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل كان هذا التحول في مصلحة مشتري التأمين، أم في مصلحة شركة التأمين؟
لا شك أن الصيغة الرقمية قدمت الكثير؛ فقد اختصرت الوقت، وخفضت تكلفة الإجراءات، وسهلت الوصول إلى شركات التأمين، ومنحت العميل قدرة أكبر على مقارنة الأسعار والمنتجات، كما ساعدت الشركات على معالجة كميات ضخمة من البيانات وتسريع عمليات التسعير والإصدار. لقد أصبح شراء بعض أنواع التأمين، وخصوصًا تأمين المركبات، عملية يمكن إنجازها في لحظات.
وهذا تطور مهم لا يمكن التقليل من قيمته، لكن السرعة في شراء التأمين لا تعني بالضرورة أن العميل أصبح أكثر فهمًا لما يشتريه.
في الطريقة التقليدية، كان هناك شخص يقف بين العميل والوثيقة؛ سواء كان مندوب شركة، أو وكيلًا، أو وسيط تأمين. يسأل العميل، ويشرح له، ويناقشه، وربما يكتشف أثناء الحوار أن التغطية التي يطلبها العميل ليست بالضرورة التغطية التي يحتاجها بالفعل. لم يكن ذلك النظام مثاليًا بالطبع؛ فقد يختلف مستوى المعرفة والخبرة من شخص إلى آخر، وقد تحدث أخطاء بشرية، وقد تطول الإجراءات. لكن وجود العنصر البشري كان يتيح أمرًا بالغ الأهمية: الحوار البنّاء.
أما اليوم، فقد انتقل جزء كبير من هذه المسؤولية إلى النظام الإلكتروني، وإلى العميل نفسه. تظهر أمام العميل مجموعة من الخيارات، فيضع علامة أمام خانة الموافقة على الشروط والأحكام، ثم يدفع ويستلم الوثيقة. لكن هل قرأ الشروط فعلًا؟ هل فهم الاستثناءات؟ هل يعرف حدود التغطية ومبلغ التحمل؟ وهل يدرك الالتزامات الواقعة عليه بموجب العقد؟
هنا تظهر إحدى مفارقات التحول الرقمي: لقد جعلت التقنية شراء التأمين أسهل، لكنها لم تجعل عقد التأمين نفسه أبسط بالضرورة.
في الماضي، كان الوسيط أو الموظف يقوم بجزء من عملية فهم الخطر وتقييمه؛ يسأل العميل، ويطلب معلومات إضافية، ويقدم النصيحة، ثم ينقل ذلك كله إلى شركة التأمين. اليوم تقوم الأنظمة الإلكترونية والخوارزميات بجزء متزايد من هذه المهمة. وهذا ليس أمرًا سلبيًا في حد ذاته، فالخوارزمية تستطيع معالجة معلومات كثيرة بسرعة ودقة لا يستطيع الإنسان مجاراتها، كما تقلل الأخطاء وتحسن اتساق القرارات. لكن الخوارزمية لا ينبغي أن تتحول إلى “صندوق مغلق” يجهل العميل ما يدور داخله. فإذا كانت التقنية قد حلت محل جزء من الحوار البشري، فإن المسؤولية تضاعفت على شركة التأمين لتجعل المنتج واضحًا ومفهومًا، لا أن تكتفي بكونه سهل الشراء فقط.
الأخطاء كانت موجودة في الصيغة التقليدية، ولا تزال موجودة في الصيغة الرقمية، لكن الذي تغير هو مصدر الخطأ وشكله ومن يتحمل مسؤوليته. في الماضي قد يكون الخطأ ناتجًا عن موظف لم يشرح التغطية جيدًا، أو وسيط لم ينقل المعلومات بدقة. أما اليوم، فقد يكون الخطأ في البيانات المدخلة، أو في تصميم النظام، أو في فهم العميل للخيارات المعروضة، أو حتى في الافتراض الخاطئ بأن مجرد الضغط على زر «أوافق» يعني أن العميل قد استوعب عشرات الصفحات من الشروط والاستثناءات.
وهذا يقودنا إلى قضية أعمق: هل يكفي أن نتيح المعلومة للعميل، أم يجب أن نتأكد من تقديمها بطريقة يستطيع فهمها؟ هناك فرق شاسع بين وجود المعلومة وبين وضوحها. قد تقول شركة التأمين إن جميع الشروط موجودة في الوثيقة ووافق عليها العميل إلكترونيًا، وقد يقول العميل إنه اشترى المنتج بناءً على السعر والمعلومات المختصرة، ولم يدرك وجود القيود والاستثناءات إلا عند وقوع المطالبة.
وهذه ليست مشكلة تقنية فحسب، بل تمس فلسفة العلاقة بين الطرفين؛ فالتأمين ليس مجرد منتج يُشترى وينتهي الأمر بدفع ثمنه، بل هو وعد مالي للمستقبل، يدفع العميل مقابله اليوم، ولا يلمس قيمته الحقيقية إلا عند وقوع الخسارة. ولهذا فإن جودة التجربة التأمينية لا ينبغي أن تُقاس بعدد الدقائق التي استغرقها إصدار الوثيقة.
ليس المطلوب بالتأكيد العودة إلى الوراء أو استبدال التطبيقات بالمكاتب والمقابلات؛ فالتحول الرقمي أصبح جزءًا أصيلًا من صناعة التأمين، وسيتعزز وجوده مع تطور الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات. لكن السؤال الحقيقي ليس: هل نستخدم التقنية أم لا؟ بل: كيف نستخدمها دون أن نفقد جوهر العلاقة بين العميل وشركة التأمين؟
إن النجاح الحقيقي للتحول الرقمي في التأمين لا ينبغي أن يُقاس بسرعته أو بانخفاض تكلفته أو بعدد العمليات الآلية، بل يجب أن يُقاس بسؤال أكثر بساطة وأهمية: هل أصبح العميل بعد كل هذا التطور أكثر فهمًا لما اشتراه أم أقل؟
إن أفضل تقنية في التأمين ليست تلك التي تجعل العميل يشتري الوثيقة في أسرع وقت، بل تلك التي تساعده على شراء الوثيقة التي يحتاجها وهو مدرك تمامًا لما تغطيه وما تستثنيه. ولهذا، قد تكمن حلول المستقبل في ابتكار “ملخصات تنفيذية مركزة” تبرز التغطيات والاستثناءات بخط ولون واضحين، أو في دمج حوار تفاعلي ذكي —عبر مساعد افتراضي مدعوم بالذكاء الاصطناعي أو ممثل خدمة عملاء— يشرح للمشتري جوهر ما يشتريه قبل أن يضغط على زر الموافقة.

