بقلم : وداد المنيّع
الأدب ليس مجرد كلماتٍ نتبادلها، ولا سلوكاً نمارسه في المناسبات فحسب؛ بل هو منظومة من القيم التي تُرافق الإنسان في حضوره وحديثه وتصرفاته، وفي أبسط تفاصيل حياته وأكثرها تعقيداً.
فالأدب سلوك بديهي مطلوب في مختلف تعاملاتنا، حتى تلك المواقف العابرة والبسيطة التي قد لا نلقي لها بالاً. وهو يظهر في لغة الجسد، وفي طريقة الحديث، وفي اختيار المفردات، وفي الهيئة والمظهر الذي يراعي المكان والمناسبة وما يليق بهما.
حتى الطرافة والمزاح لهما أدب وأصول وحدود؛ فليس من المقبول أن نرمي الاحترام جانباً تحت مظلة «الميانة»، أو أن نُبرر تجاوز الحدود باسم العفوية والجرأة.
وفي المقابل، فإن الأداء الوظيفي والاجتماعي تحكمه معايير وأخلاقيات ينبغي الاعتناء بها والالتزام بها، فهي ليست مجرد تفاصيل هامشية أو قيود يمكن تجاوزها متى ما أردنا، وليست المسألة ـ كما يُقال ـ «شوفة شرعية» تُترك للانطباعات العابرة دون ضوابط أو مسؤولية.
لقد انسحب الأدب من كثير من المواقف والمعايير تحت عناوين براقة، منها الحرية والاستقلالية والتمكين، حتى أصبح البعض يخلط بين الحرية والانفلات، وبين الثقة بالنفس وتجاوز الآخرين، وبين الاستقلالية والتخلي عن القيم التي تحفظ للمجتمع توازنه وهويته.
وحين نتأمل واقعنا الاجتماعي، ونقرأ بعض المؤشرات المتعلقة بعزوف عدد من الشباب عن الزواج، يبرز سؤال مهم: هل أصبح الخوف من المسؤولية ومن متغيرات الحياة الاجتماعية يتربع في قلوب الشباب؟ ومن المسؤول عن اتساع هذه الفجوة؟
هل هي الأسرة؟ أم وسائل التواصل الاجتماعي وما تحمله أحياناً من فوضى في الطرح والسلوك؟ أم المدرسة ودورها التربوي والتوعوي؟
إنها منظومة متشابكة، أشبه بـ«مثلث برمودا» الاجتماعي، تحتاج إلى وقفة جادة وسريعة لرأب الصدع وردم الفجوات، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن تتسع دائرة القلق المجتمعي.
وما يزيد الأمر إلحاحاً، أن كثيراً من الأمهات يعشن حالة من التذمر الصامت، يشعرن بالقلق تجاه ما يشاهدنه من تغيرات، دون أن يمتلكن دائماً القدرة أو الأدوات الكافية للتأثير والمواجهة.
فهل نسمي كل ذلك «استقلالية»؟
بالتأكيد لا.
فالاستقلالية الحقيقية لا تعني التخلي عن الأدب، ولا الانفصال عن القيم، ولا التنصل من المسؤولية. وقد تكون هناك حالات فردية لا يصح تعميمها، لكن ما نشهده يستدعي قراءة واعية ومتزنة، بعيداً عن المبالغة أو إطلاق الأحكام العامة.
إننا بحاجة إلى انتفاضة وعي، ويقظة متزنة وناضجة وراجحة، تُعيد إلى المجتمع ثقافة الأدب بوصفه قيمة إنسانية وحضارية، لا مجرد قواعد شكلية.
فحين يتحول الأدب إلى لامبالاة، وتتراجع قيم الاحترام في التعامل، يصبح من الواجب أن نسأل أنفسنا: إلى أين نمضي؟ ولماذا نسمح لهذا التراجع بأن يستمر؟
نحن أصحاب هوية راسخة، وهوية شرقية أصيلة تقوم على القيم والاحترام والتقدير وحسن التعامل، وينبغي أن يبقى الأدب مبدأً لا يتجزأ من شخصيتنا ومجتمعنا.
وفي هذه المرحلة، يظل الإعلام أحد أهم الركائز في مواجهة ما يمكن أن تفرزه بعض المستحدثات المعاصرة من مفاهيم وسلوكيات دخيلة، من خلال دوره في التوعية، وترسيخ القيم، وتقديم خطاب متزن يجمع بين الأصالة والوعي بمتغيرات العصر.
فالأدب لا يقف في وجه الحرية، بل يمنحها معناها الأجمل، ولا يحد من الاستقلالية، بل يجعلها أكثر مسؤولية ونضجاً.
وحين نحافظ على الأدب، فإننا في الحقيقة لا نحافظ على سلوك عابر فحسب، بل نحافظ على إنسانيتنا، وهويتنا، ومستقبل مجتمعنا.
فليظل الأدب قيمةً راسخة، ومبدأً لا يتجزأ… لأن المجتمعات الراقية لا تُعرف فقط بما تملكه من تقدم، بل بما تحافظ عليه من قيم…
وداد المنيّع
المنطقة الشرقية – الظهران
المملكة العربية السعودية
@qwdrtyuiop


شكراً أستاذة وداد؛ فهذه المقالة الأكاديمية ليست مجرد نصٍّ توعوي، بل هي محاضرةٌ زاخرةٌ بالدروس العميقة عن النفس البشرية، وترسم للطبيعة الإنسانية مسارها الأصيل نحو الفطرة الربانية.
إنها نهجٌ شرعيٌّ يجلّي كينونة المسلم، ويتسامى بصفاته حتى تبلغ درجة رفيعة تقارب الطهر الملائكي؛ فمَن فاز بها، فقد أوتي الخير الكثير.”
كلام يكتب بماء الذهب
هنيئا لمن كانت مفرداته علاج لا انكسار