هناك مجالس لا تقتصر أهميتها على كونها مكاناً للقاء أو استقبال الضيوف، بل تتحول مع مرور الزمن إلى مؤسسات اجتماعية غير رسمية، تحمل رسالة إنسانية وثقافية، وتسهم في بناء جسور التواصل بين أفراد المجتمع، وتحافظ على أصالة العادات والتقاليد التي تميز مجتمعنا السعودي
ومن بين هذه المجالس يبرز مجلس أسرة المغلوث في محافظة الأحساء، بوصفه أحد المجالس الاجتماعية العريقة التي امتد حضورها لعقود من الزمن، واستطاعت أن تحافظ على مكانتها ودورها في تعزيز التواصل الاجتماعي وصلة الرحم، واستقطاب نخبة من الشخصيات الاجتماعية والثقافية والعلمية والاقتصادية
إن الحديث عن مجلس المغلوث ليس حديثاً عن مجلس أسرة فحسب، بل عن تجربة اجتماعية لها امتدادها وتاريخها وأثرها، فقد أصبح المجلس مساحة مفتوحة للقاء الأجيال، ومقصداً للوجهاء والمثقفين والأدباء والشعراء وأساتذة الجامعات ورجال الأعمال، يجتمعون فيه على المحبة والتقدير وتبادل المعرفة والخبرات، بعيداً عن الرسميات والتكلف
وقد حافظ المجلس على تقليده الأسبوعي صباح كل يوم جمعة، حيث يستقبل ضيوفه ورواده في أجواء تعكس أصالة أهل الأحساء وكرمهم، وتتيح للجميع فرصة التواصل والتعارف وتبادل الأحاديث حول مختلف القضايا الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وهو ما جعل منه ملتقى يتجاوز حدود الأسرة إلى رحاب المجتمع بأكمله
ولعل من أبرز ما يميز هذه التجربة أنها لم تجعل من المجلس مناسبة اجتماعية عابرة، وإنما جعلت منه نهجاً مستمراً في التواصل والتقارب، فالاستمرارية في استقبال الناس والمحافظة على هذا التقليد الأسبوعي تعكس إيماناً حقيقياً بقيمة المجالس ودورها في بناء المجتمع، خصوصاً في زمن أصبحت فيه العلاقات الإنسانية بحاجة إلى مساحات تجمع الناس على الحوار والتسامح والتقدير المتبادل
وقد أحسن الدكتور عبدالله بن أحمد المغلوث وإخوانه في المحافظة على هذا الإرث الاجتماعي وتعزيزه، من خلال إبقاء أبواب المجلس مفتوحة أمام مختلف شرائح المجتمع، وإتاحة الفرصة للقاء أصحاب التجارب والخبرات والكفاءات، بما يثري الحوار ويعزز تبادل الأفكار ويمنح المجلس بعداً ثقافياً واجتماعياً يتجاوز مفهوم الضيافة التقليدية
كما أن استضافة الشخصيات والمؤسسات والجمعيات والمهتمين بالشأن العام تعكس وعياً بأهمية توظيف المجالس في خدمة المجتمع، ومن الأمثلة على ذلك استضافة جمعية هجر التاريخية للتعريف بتاريخ الأحساء وتراثها، واستضافة المهتمين بالعمل الرياضي والاجتماعي، إلى جانب اللقاءات التي تفتح المجال أمام الجمعيات الخيرية والتخصصية للتعريف برسالتها وبرامجها واحتياجاتها
وهنا تتجلى قيمة المجلس في كونه لا يكتفي باستقبال الضيوف، بل يمنح المبادرات الاجتماعية والثقافية مساحة للحضور والتعريف والتفاعل، ويسهم في تقريب وجهات النظر بين أصحاب الاهتمامات المختلفة، ويعزز مفهوم الشراكة المجتمعية التي يحتاج إليها المجتمع في مختلف مراحله
ومن الجوانب التي تستحق التقدير أيضاً اهتمام المجلس بالعلم وأهله، وتقدير الكفاءات والإنجازات العلمية، والاحتفاء بمن يحققون التميز في مسيرتهم، ومن ذلك الاحتفاء بالدكتور عبدالله بن علي المغنم والدكتورة لطيفة بنت علي صالح المغنم بمناسبة حصولهما على درجة الدكتوراه، وهي لفتة تعكس تقدير العلم وأصحاب الإنجاز، وتؤكد أن المجالس الأصيلة لا تكتفي بالمحافظة على الماضي، بل تحتفي أيضاً بما يحققه أبناء المجتمع من نجاحات وطموحات
إن مثل هذه المواقف تحمل رسالة مهمة للأجيال الجديدة، مفادها أن العلم والتميز والعمل الجاد يستحقون التقدير والاحتفاء، وأن المجالس الاجتماعية يمكن أن تكون بيئة محفزة للنجاح، ومنبراً لتشجيع أصحاب الإنجازات وإبراز النماذج التي يعتز بها المجتمع
ولا يمكن إغفال الدور الإنساني والاجتماعي الذي تمثله مثل هذه المجالس في تعزيز ثقافة التكافل والتراحم، فالعمل المجتمعي لا يقتصر على المبادرات المنظمة أو المؤسسات الرسمية، بل يبدأ أحياناً من مبادرة أسرة، أو مجلس يفتح أبوابه، أو موقف إنساني يترك أثراً طيباً في نفوس الآخرين
ومن هنا فإن ما تقدمه أسرة المغلوث يستحق الإشادة والتقدير، ليس من باب المجاملة، وإنما تقديراً لقيمة الاستمرار في العطاء والمحافظة على الروابط الاجتماعية، وتقديم نموذج يعكس أهمية دور الأسرة في خدمة محيطها والمساهمة في تعزيز التماسك المجتمعي
ولعل الأجمل في هذه التجربة أنها تجمع بين الأصالة والتجدد، فالمحافظة على الموروث لا تعني الوقوف عند حدود الماضي، وإنما تعني نقل القيم الجميلة إلى الأجيال القادمة، وتطوير دورها بما يتناسب مع احتياجات المجتمع وتطلعاته
إننا بحاجة اليوم إلى المزيد من هذه المجالس التي تعيد الاعتبار للحوار المباشر والتواصل الإنساني، وتجمع أصحاب الفكر والخبرة والشباب في مكان واحد، وتمنح الجميع فرصة المشاركة والتعبير والاستفادة من تجارب الآخرين، فالمجالس مدارس كما يقال، وما يتعلمه الإنسان من تجارب الناس ومواقفهم قد يفوق أحياناً ما يكتسبه من الكتب والمراجع
ومن وجهة نظري فإن تجربة مجلس المغلوث تستحق أن تكون نموذجاً اجتماعياً يحتذى به، لما تحمله من معانٍ تتصل بصلة الرحم والتواصل والتكافل وتقدير العلم وأهله، فضلاً عن دورها في تعزيز حضور الأحساء الاجتماعي والثقافي، وإبراز ما تتميز به من عادات أصيلة وموروث إنساني عريق
وإذا كان العطاء يقاس بما يتركه من أثر، فإن استمرار مثل هذه المجالس وفتح أبوابها أمام الناس هو في حد ذاته عطاء يستحق التقدير، لأن أثره لا يتوقف عند لقاء أو مناسبة، بل يمتد إلى علاقات إنسانية راسخة وذكريات جميلة وقيم تنتقل من جيل إلى جيل
وفي الختام تبقى أسرة المغلوث محل تقدير واحترام، ويستحق الدكتور عبدالله بن أحمد المغلوث وإخوانه كل الشكر على جهودهم في المحافظة على هذا الإرث الاجتماعي، وعلى ما يقدمونه من نموذج كريم في التواصل وخدمة المجتمع
وما نتمناه أن تستمر هذه الرسالة الجميلة وأن تتسع مبادرات المجلس لتشمل المزيد من البرامج واللقاءات التي تخدم المجتمع وتدعم المبادرات الثقافية والإنسانية، فالعطاء الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج، وإنما يحتاج إلى إخلاص واستمرارية وأثر يبقى في ذاكرة الناس
————————————-
عاطف بن علي الأسود
مستشار للاستثمار والتخطيط الاستراتيجي
البريد الإلكتروني
sir.atif@hotmail.com
تويتر X
@alaswadatif



