ليست جزيرتا دارين وتاروت مجرد موقع جغرافي على ضفاف الخليج العربي، بل تمثلان إرثاً تاريخياً وحضارياً عريقاً يمتد لأكثر من خمسة آلاف عام، وشاهداً على مراحل مهمة من تاريخ المنطقة الشرقية وحركتها التجارية والبحرية والثقافية
واليوم تدخل الجزيرتان مرحلة جديدة من التحول التنموي، تتجاوز تطوير المرافق والبنية التحتية إلى إعادة تقديم المكان بما يليق بقيمته التاريخية ومقوماته الطبيعية والاقتصادية والسياحية، انسجاماً مع مستهدفات رؤية المملكة 2030
منطلق التحول والإطار الزمني للتنفيذ
في 24 نوفمبر 2022، أعلن سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز اعتماد التوجه التنموي لجزيرتي دارين وتاروت وإنشاء مؤسسة متخصصة لتطويرهما، بميزانية تقديرية تبلغ 2.644 مليار ريال
ويمتد الإطار الزمني العام لهذا التوجه من عام 2022 حتى عام 2030، ضمن مراحل متتابعة من التخطيط والتطوير والتنفيذ، تستهدف إحداث تحول مستدام في الجوانب العمرانية والاقتصادية والسياحية والبيئية، مع التأكيد أن هذا الإطار لا يعني بدء جميع المشروعات في تاريخ واحد
تنمية تحافظ على التاريخ وتستثمر المستقبل
يرتكز المشروع على منهجية متكاملة تجمع بين المحافظة على الإرث التاريخي، وإحياء المواقع الطبيعية، وتحسين جودة الحياة، وتعزيز الاقتصاد السياحي
وتشمل المبادرات تطوير قلعة تاروت وقصر دارين والبلدة التراثية ومطار دارين التاريخي، إلى جانب تأهيل الواجهات البحرية والحدائق العامة والمسارات السياحية والمرافق الترفيهية، والاهتمام بالبيئة الساحلية وغابات المانجروف
ويبرز مشروع تأهيل قصر دارين والبلدة التراثية بوصفه أحد الشواهد العملية على هذا التحول، حيث أعلنت هيئة تطوير المنطقة الشرقية في سبتمبر 2025 وصول نسبة الإنجاز إلى 50%، ثم أعلنت في 13 يناير 2026 اكتمال المرحلة الأولى من المشروع، الذي يمتد على مساحة تقارب 120 ألف متر مربع
الأثر الاقتصادي والاستثماري
لا تتوقف أهمية هذا التحول عند المحافظة على المعالم التاريخية أو تطوير المواقع السياحية، بل تمتد إلى خلق فرص اقتصادية جديدة في قطاعات السياحة والضيافة والتجارة والخدمات والأنشطة البحرية والترفيهية
وتضمنت المستهدفات المعلنة مساهمة اقتصادية متوسطة تصل إلى 297 مليون ريال سنوياً في الناتج المحلي، واستقطاب نحو 1.36 مليون سائح بحلول عام 2030، إلى جانب توفير فرص وظيفية وتعزيز مشاركة القطاع الخاص في الفرص الاستثمارية
كما يمثل إشراك المجتمع المحلي وتمكين أبنائه من الاستفادة من هذه الفرص عنصراً أساسياً في نجاح المشروع، بما يضمن أن تنعكس التنمية على الإنسان والمكان معاً
دارين وتاروت.. إرث يتجدد ومستقبل يُصنع
إن القيمة الحقيقية لهذا المشروع تكمن في قدرته على الجمع بين أصالة التاريخ ومتطلبات التنمية الحديثة، وتحويل المقومات التاريخية والبيئية إلى قيمة اقتصادية وسياحية مستدامة
فالنجاح لا يقاس بعدد المشروعات المنفذة وحدها، بل بمدى أثرها على جودة الحياة، وتعزيز فرص الاستثمار، والمحافظة على الهوية المحلية، وخلق مستقبل أكثر ازدهاراً لأبناء الجزيرتين
إن دارين وتاروت أمام فرصة تاريخية لتكونا نموذجاً تنموياً يجمع بين حماية الموروث وصناعة المستقبل، وبين جمال الطبيعة وازدهار الاقتصاد، بما يعكس طموحات المملكة ورؤيتها نحو تنمية متوازنة ومستدامة
————————————
عاطف بن علي الأسود
مستشار للاستثمار والتخطيط الاستراتيجي

