بقلم هناء الخويلدي
ياوجع الطفولة وياغربة النفس في أوطان لم تعد تسكن الروح ،ويا وجوه غابت قبل الأوان تاركة قلوباً صغيرة تحمل أعباء الكبار .
يا وجعَ الطفولةِ المتكوّر في أضلاع الذاكرة…
ويا غُربةَ الروح في أوطانٍ لم تعد تشبهنا،
في مدنٍ تسكن الجسد ولا تُجيد الإنصات لوجعه…ويا وجوهًا رحلت قبل أن تبدأ الحكاية،وتركت قلوبًا صغيرة تُصارع فوضى الكِبر قبل أوانها.
أن تكون يتيمًا، يعني آن تبدأ حياتك بنقص لا يمكن للكلمات أن تصفه .في طفولتي، كانت الأحلام تُغزل على نول الليل،ناعمة كأنفاس الأمهات، دافئة كيدٍ لا تفلتك…لكنها انقطعت، وتكسّر خيطها في يد اليُتم،
فبات القلب معلقًا في فراغٍ يسأل: “لِمَ أنا؟”
ولا أحد يملك الجواب.
ومع الألم، يُولد ضوءُ من الداخل. ففي عيون يتمي يسكن حلمٌ صامت أن يجد في الغد حضنًا يعوضه عن ما فقده، بحثت عن حضنٍ لا يشبه الغياب،عن يدٍ تمسح دمعَ الصغار،
عن “أمان” لا يخذلني،فلم أجد إلا صفعات الصمت،وغربةً لا تعترف بالدموع.
غربتي ليست حقائبَ وسفرًا،
بل شعورٌ مقيم، يزرع نفسه في أعمق الزوايا.
هي أن تجلس بين الجميع وتشعر أنك وحيد،
أن تبتسم والروح تنوح،أن تحمل في قلبك وطنًا غادر،وأرواحًا لم تعد، لكنها لا تفارقك…
كأطيافٍ تهمس في الليل: “نحن هنا… ولو في الذاكرة”.
لكن…
من رحمِ الألم وُلدت بداخلي قُوة لا تُرى،
قوةٌ لا تشبه الصراخ،بل تشبه الصبر الطويل،
فالجراح تعلم القلب كيف يصمد. وتُعيد تشكيل الروح لتكون أكثر إشراقًا.
طفولتي لم تكن مجرد أيامٍ مرت،بل مدرسة وجع علّمتني أن الألم لا يعني النهاية،بل هو أول سطرٍ في قصة النجاة.أن تُولد يتيمًا… يعني أن تبدأ الحياة بقلبٍ نصفه مكسور،
ونصفه الآخر يتعلّم كيف يكون جبلًا قبل أن يتعلم كيف يكون طفلًا.
كل لعبة مكسورة كانت مرآةً لوحدتي،
كل سؤالٍ بلا إجابة كان حجرًا في طريق الطفولة،فالعالم لا ينتظرنا لننمو،بل يدفعنا للنضج ولو على حساب براءتنا.
ومن بين الحطام، وفي عيون يتمي أجدُ حلُمًا صامتًا…أني ذات غدٍ سأبني من ألمي جناحين،وأحلق بعيدًا نحو حياةٍ أكثر دفئًا،
حياةٍ لا تعيد من رحلوا،لكنها تحتفي بمن بقوا،وتُعانق من نجوا.
يتمي ليس لعنة، بل معجزة،
هو الندبة التي لم أخترها، لكنها علّمتني الطيران.فها أنا، من قلبٍ خذله الحنان،
أكتب قصتي…لا كي أندبها، بل كي أقدّس هذا البقاء.

