جمود في زمن الدفء..

بقلم هناء الخويلدي

البُخل… ذاك القاتل الخفي الذي لا يحمل سكينًا، بل يتسلل كالدخان إلى الروح، يخنقها ببطء، دون أن يُثير ضجيجًا.لا يقتل صاحبه فحسب، بل يغتال كل جميلٍ يمر به.يبث سمّه في العطاء، فيكفّ القلب عن النبض، ويجفّ نبع الحنان في العيون.تذبل الكلمات على الشفاه، ويصبح الوجود باهتًا، كأنما الحياة تسكن جسدًا بلا روح.

البُخل لا يعني فقط شُح المال، بل هو شُحّ في الإحساس، فقرٌ في المشاعر، وضيقٌ في الأفق…هو ذلك التهشُّم الصامت الذي يُصيّر الإنسان كائنًا مشوّهًا، باهت الملامح، لا يرى، لا يسمع، لا يمنح، لا يحتضن.ويُحوِّل دفءَ القلب إلى جليد، ويكتم أنفاس الرحمة في صدرٍ كان يمكن أن يُحيي قلوبًا كثيرة.فأي حياة هذه، إن عشناها مقطوعي الودّ؟
وأي روح تلك، إن انكمشت حتى عن أبسط تعبير للحنان؟
أي جمال يمكن أن ينبت في أرضٍ يابسة لا يسقيها عطاء، ولا يزهر فيها شعور؟
وهل يبقى الإنسان إن جفّت ينابيعه، وتحوّل إلى ظلّ ثقيل لا يُعطي ولا يُضيء؟
ألا نخشى أن نموت أحياء، حين نسمح للبُخل أن يسكننا؟

البُخل لا يسرق منك الآخرين فحسب، بل يسرقك من نفسك.يجردك من إنسانيتك، يُطفئ نورك، ويكسوك برداء القسوة حتى وأنت في أمسّ الحاجة للدفء.وحين يشتد عليك الزمان، وتطرق أبواب الرحمة بحثًا عن يدٍ تمتدّ إليك…تُغلق الأبواب في وجهك، لأنك لم تفتح بابًا لأحد.
لا تجد قلبًا يحتضنك، لأنك جفّفت قلوبهم عن قصد.
لقد أقنعت الجميع، دون أن تدري، أنهم لا يُلزمون بمساعدتك، كما لم تلتزم يومًا بمعونتهم.

فالبُخل لا يبني جسورًا، بل يهدمها حجرًا حجرًا، حتى تقف على جزيرتك وحدك، محاطًا بجدران من الجفاء، لا يسمع فيها أحدٌ صوتك ولو علا.وما أخفى العقوبة الإلهية التي تنتظر من ضنّ بما أعطاه الله…أليس البذل من شُكر النعمة؟ألم يقل تعالى: “ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه”؟
فهو لم يظلم سواه، بل ساعد الآخرين على ألّا يساعدوه، وجعل من بخله ذنبًا يطوق عنقه في الدنيا، وعقبة في طريقه إلى الآخرة.

أوَ تظن أنك تملك ما في يدك من نِعَم؟سواء كانت مالًا أو مشاعر، سلطة أو مكانة…ألا تعلم أنها كلها زائلة، وأنك مجرّد مستخلف عليها لبرهة قصيرة؟وما يبقى حقًا، هو طيب الأثر، ذلك العطر الخفي الذي يخلّفه عطاؤك في القلوب، حتى بعد غيابك ففي جوهر هذا الوجود، لسنا سوى عابرين في مشهد مؤقت، تُقاس قيمتنا لا بما نملك، بل بما نمنح.
والبخل، مهما تنوّعت صوره، ليس إلا اختناقًا للروح، وانفصالًا عن ناموس الكون الذي خُلق على سنّة العطاء والتبادل والتراحم.

ما قيمة الحياة إن عشناها نتشبث بما يفنى، ونبخل بما لا يُكلّف؟أليس العطاء امتدادًا لأرواحنا، وطريقة لتأكيد أننا كنّا هنا… بشيء من النور؟ فلا خلود في المال، ولا في المشاعر المحبوسة، لكنّ الأثر هو الخلود، والعطاء هو البصمة التي لا تزول،اختر إذًا أن تكون نهرًا… لا سدًا.وامنح، ولو دفقة شعور، قبل أن تغادر… وتُطوى صفحتك دون أن تُمطر قلبًا واحدًا.

اترك رد

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top