ربما لو كنت تقرأ هذه الكلمات الآن وأنت غارق في ماضيك، ستظن أنني أكتب عنك. لكن مهلاً… أنا أكتب إليك، من قلبٍ كان ذات يوم يشبه قلبك تمامًا: مثقلًا، متعبًا، يظن أن الطريق قد انتهى وأن ما تبقى ليس سوى خطوات متعثرة نحو العدم
كنت هناك. في مكانٍ بارد جدًا، حيث كل شيء رمادي، والسنين تمر وكأنها تُجرُّ على أكتافي لا في التقويم.
أتذكر تفاصيله جيدًا:
الأيام التي بدت أطول من قدرتي على احتمالها،
اللحظات التي بكيت فيها بلا صوت كي لا يسمع أحد هشاشتي،
والليالي التي تمنيت فيها أن أختفي، فقط لأرتاح من ثِقل نفسي.
حيانًا، عندما أغلق عيني وأعود إلى هناك… إلى الماضي، لا أجد مشاهد جميلة تستحق الحنين.
بل أجد نفسي وسط طرق وعرة، وأيام ثقيلة كأحجار تتساقط على صدري، وسنين عجاف كانت تتآمر مع الليل لتسرق ضوء قلبي.
ذلك الماضي لم يكن جميلاً، ولم يكن لطيفًا، ولم يمرّ بسلام أبداً… كان مليئًا بالتقلبات المؤلمة، بالتحديات القاسية، بالظروف التي تُشعرك وكأنك تُختبر على الدوام.
لكني لم أختفِ…
لم أمت رغم أن قلبي مات ألف مرة.
كنت أزحف، أحيانًا بدافع اليأس نفسه، وأحيانًا لأن شيئًا صغيرًا جدًا في داخلي – ربما مجرد ومضة أمل عنيدة – كان يرفض أن يطفأ.
والآن، حين أستدير لأنظر خلفي، أرى صورة مختلفة:
أرى أن كل تلك الطرق الموحلة لم تكن عبثًا.
ذلك الماضي القاسي، بأيامه العجاف، كان يمهّد لي دربًا صلبًا.
اليأس نفسه كان يحرث الأرض في قلبي ليزرع فيها بذور إنسانٍ جديد.
حتى الجروح التي نزفت منها روحي، كانت تشقّ الطريق كي يخرج منها نورٌ لم أكن أعرف أنه يسكنني.
اليوم، أنا هنا. أمشي على طريق معبّد بأزهار الأمل، والهواء من حولي يحمل عبيرًا يشبه الحلم.
لكنني أحن لذلك الماضي، ليس لأنه كان جميلًا… بل لأنه كان الطريق. الطريق الوحيد الذي علّمني أن أزهر، حتى وأنا أموت كل يوم.
وأنت… يا من تقرأ هذا الآن، لا تخف.
ربما تشعر أن أيامك الحالية لا تُحتمل، أن الألم أكبر من احتمالك، وأنك فقدت نفسك في منتصف الطريق.
لكن صدقني: كل هذا سيمر.
لن أنكر، سيترك ندوبًا، سيأخذ منك أشياء كنت تظنها حياتك كلها.
لكنه سيمنحك شيئًا أثمن: نسخة منك لم تكن لتولد إلا من رحم ذلك العذاب.
نسخة أقوى، أرقّ، وأصدق.
حتى الطرق الموحشة تعرف كيف تزهر تحت قدميك حين تظن أنك انتهيت.
حتى النفق الأكثر ظلمة، يحمل في نهايته فتحة صغيرة للضوء، تكبر مع كل خطوة، مهما كانت بطيئة.
لكن هناك سرًّا فلسفيًا سأهمس به إليك:
ربما نحن لا نصل أبدًا… ربما لا توجد “نقطة أخيرة” لهذا الطريق.
نحن مجرد مسافرين أزليين، نعيد خلق أنفسنا في كل رحلة، ندفن نسخًا قديمة ونولد أخرى جديدة.
لكن أليس هذا هو معنى الحياة الحقيقي؟ أن نستمر بالسير، أن نستمر بالتغير، حتى آخر نفس؟
لذلك لا تيأس من الطريق.
مهما كان مظلمًا، ثق أنه ليس نهاية، بل بداية لما لم تتخيله بعد.
وأنا هنا، أكتب إليك من الطرف الآخر لأخبرك:
سيمرّ كل شيء… وستزهر.

