(أَزِفَتِ الْآزِفَةُ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ)
سورة النجم: 57-58
قبل أن أمضي في هذه الكلمات أود أن أوضح أنها ليست تفسيرًا للآية الكريمة فالتفسير له أهله من العلماء والمفسرين وإنما هي وقفة تأمل وتدبر فيما فتح الله به على القلب من معانٍ وإشارات لعلها تكون بابًا للتفكر في هذه الكلمات العظيمة لكنها استوقفتني كثيراً .. هناك آياتٌ لا تمر على الروح مرورًا عابرًا بل تستوقف القلب طويلًا وكأنها تنادي الإنسان من أعماقه ليتأمل نفسه وحياته والزمن الذي يمضي به ومن تلك الآيات قوله تعالى:(أَزِفَتِ الْآزِفَةُ)
في ظاهر معناها تتحدث الآية عن اقتراب يوم القيامة ذلك اليوم العظيم الذي تنكشف فيه الحقائق وتسقط فيه جميع الحجب لكن المتأمل في وقع هذه الكلمات يشعر أنها تذكره أيضًا بحقيقة ملازمة للحياة كلها وهي أن كل شيء يسير نحو موعده وأن ما قُدّر له أن يكون، يقترب وإن بدا بعيدًا فـ«أزفت» تعني اقتربت ودنت وحان أوانها
وهنا يتجلى جمال اللفظ القرآني إذ لم يقل: ضاعت أو انتهت أو فاتت بل قال: أزفت
وكأن الكلمة تحمل في داخلها رسالة خفية إلى كل قلب أنهكته المسافات وأرهقه الانتظار فالضياع نهاية أما الاقتراب فهو وعد وما أجمل الفرق بين الوعدين وعدٍ يطفئ الرجاء ووعدٍ يوقظ اليقين كثيرًا ما نظن أن ما تأخر عنا قد ابتعد وأن ما لم يتحقق اليوم ربما لن يتحقق أبدًا نقيس الأمور بأعمارنا القصيرة بينما تجري الأقدار بحكمة أوسع من إدراكنا لكن هذه الآية تهمس للروح بأن لكل شيء ميقاته وأن ما يبدو بعيدًا في نظر الإنسان قد يكون قريبًا جدًا في ميزان الله
أزفت الآزفة…أي اقتربت اللحظة التي تنكشف فيها الحقائق
اقتربت اللحظة التي يسقط فيها الوهم واقتربت اللحظة التي يرى فيها الإنسان الأشياء كما هي، لا كما أرادتها مخاوفه أو أوهامه كم من إنسانٍ ظل يبحث عن السعادة في طرقٍ ملتوية حتى أزفت لحظة الوعي فعرف الطريق
وكم من قلبٍ أثقله الحزن وظن أن الفرج قد نسي عنوانه حتى أزفت ساعة الرحمة فاكتشف أن الله كان يدبر له الخير في الخفاء وكم من حلمٍ حسبناه مستحيلًا ثم تحقق فجأة وكأن الأيام كلها كانت تمهد له الطريق بصمت
ولعل ما لفت انتباهي أثناء التأمل في هذه الآية أن الآزفة ليست حدثًا واحدًا في حياة الإنسان فاللقاءات آزفة والفراق آزف والنجاح آزفوالرحيل آزف.
وحتى الحقيقة التي نحاول الهروب منها طويلًا تظل تقترب منا خطوةً بعد خطوة حتى تقف أمامنا يومًا بلا استئذان
إن أكثر ما يرهق الإنسان أحيانًا ليس الواقع نفسه بل استعجاله للأشياء يريد للثمار أن تنضج قبل موسمها وللأقدار أن تكشف أسرارها قبل اكتمالها وللإجابات أن تأتي قبل أن يكتمل السؤال بينما تعلمنا الحياة أن لكل أمرٍ موعدًا وأن الحكمة ليست في استعجال الزمن بل في حسن العبور خلاله
ليست الطمأنينة في معرفة ما سيحدث غدًا بل في الثقة بأن ما كتبه الله سيأتي في وقته الذي اختاره الله لا في الوقت الذي اخترناه نحن.
ولعل أجمل ما تمنحه هذه الآية للروح أنها لا تذكرنا باقتراب النهايات فحسب بل تذكرنا أيضًا باقتراب البدايات فكما تقترب ساعة الحساب تقترب ساعة الرحمة
وكما تقترب لحظة انكشاف الحقيقة تقترب لحظة الفرج
وكما تقترب نهاية مرحلة تقترب بداية أخرى ولهذا أشعر أن قوله تعالى: (أَزِفَتِ الْآزِفَةُ) ليس نداء خوفٍ فقط، بل نداء يقظة دعوة لأن نعيش بصدق وأن نتصالح مع أنفسنا وأن نخفف عن قلوبنا ما نحمله من أحقاد وأثقال وأن نتذكر أن كل شيء في هذه الحياة يسير نحو لحظة تتجلى فيها الحقيقة كاملة
وفي نهاية التأمل ليست الحكمة أن نعرف متى تأتي الآزفة بل أن نكون مستعدين لها حين تأتي وأن نعيش بقلوبٍ نقية
وأرواحٍ مطمئنةوأعمالٍ صالحة تسبقنا إلى الله
فما بيننا وبين المواعيد المكتوبة إلا زمنٌ يمضي بصمت
وما بيننا وبين الحقيقة إلا حجابٌ يرقّ شيئًا فشيئًا حتى يأتي اليوم الذي ندرك فيه أن ما ظننّاه بعيدًا كان يقترب نحونا منذ البداية.

