بين الحقيقة والوهم… أين يسكن الإنسان؟

في حقيقةٍ لا يملكها كاملة؟

أم في وهمٍ يمنحه طمأنينةً مؤقتة؟
أم في تلك المسافة الخفيّة… بين أن يعرف وأن يرغب في ألا يعرف؟

ذلك السؤال لا يطرق أبواب الفكر طرقًا صاخبًا بل يتسرّب كنسمةٍ خفيّة إلى أعماقنا يتشكّل في لحظة تأمّل عابرة حين نعيد تفسير موقفٍ مرّ أو نتشبّث بقناعةٍ ظننّاها يقينًا ثم نصحو فجأة على دهشة الاكتشاف أن ما حسبناه حقيقة لم يكن سوى احتمالٍ ألبسناه ثوب الثبات

نحن لا نرى العالم كما هو بل كما انعكس في وعينا كما صاغته تجاربنا ولوّنته مشاعرنا وأعاد ترتيب ملامحه خوفنا ورغباتنا فالحقيقة في كثيرٍ من وجوهها ليست محظ خالصًا بل بناءٌ داخليٌّ هشّ ومركّب تتنازعه الذاكرة وتعيد تشكيله الانفعالات حتى يغدو ما نؤمن به أقرب إلى تأويلٍ شخصيّ منه إلى يقينٍ موضوعي

ولهذا لسنا نسعى إلى امتلاك الحقيقة بقدر ما نسعى إلى الاقتراب منها إلى تلك المنطقة الدقيقة المرتبكة حيث يلتقي ما نظنه يقينًا بما قد يكون وهمًا هناك تبدأ الأسئلة في التشظّي وتتباين الرؤى ويغدو الشيء الواحد وجوهًا متعددة في أعينٍ مختلفة

وهنا يطلّ الوهم… لا كخصمٍ دائم بل كحقيقةٍ أخرى مؤجّلة
أهو خداعٌ يضلّلنا ؟ أم ملاذٌ خفيّ نحتمي به حين تعجز الحقيقة عن احتواء هشاشتنا؟
هل نسكن الحقيقة فعلًا أم نسكن ما نرتاح لتصديقه؟
وهل نطلب اليقين لأنه حق أم لأنه يطمئننا؟

ربما الوهم ليس دائمًا عدوًا بل أحيانًا ضرورة إنسانية فسحة نلوذ بها حين تضيق بنا حقائق الأشياء وكم من وهمٍ أنقذ روحًا كانت على وشك الانكسار وكم من حقيقةٍ كانت قاسيةً إلى حدّ لا يُحتمل

نحن هنا… لا لنعلن امتلاك الحقيقة ولا لنفضح الوهم بل لنسير في تلك المنطقة الرمادية بينهما حيث يلتبس الوضوح بالغموض ونبصر فنشك ونؤمن فنتراجع ونتمسّك… لنكتشف أننا كنّا نقبض على سراب

كم من فكرةٍ عشناها كأنها حقيقة مطلقة فإذا بها ظلٌّ عابر صدّقناه وكم من وهمٍ احتضننا لا لأنه صادق بل لأنه كان أرحم من الحقيقة

إن كلّ إنسان يحمل نسخته الخاصة من العالم يعيد ترتيبها وفق ما يحتمل قلبه ويؤمن بها كما لو كانت الحقيقة ذاتها ولعلنا في نهاية الأمر لا نسكن الحقيقة ولا الوهم بل نسكن هذا التوتر الدائم بينهما هذا القلق الجميل الذي يدفعنا إلى التساؤل وإعادة النظر ومراجعة ما اعتقدنا أنه نهائي
ربما لسنا بحاجةٍ إلى جوابٍ قاطع
ربما يكفينا أن نجرؤ على السؤال أن نرتجف قليلًا أمام احتمالاتنا أن نشكّ… دون أن نفقد أنفسنا فالإنسان لا يُعرّف بما يراه
بل بما يجرؤ على مراجعته

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top