كنت أظن أن الأخطار الحقيقية تكمن في الغابات أو أفلام الرعب لكنني اكتشفت أن أخطر قرار يومي يمكن أن يتخذه الإنسان هو الخروج من المنزل لقضاء بعض الاحتياجات
فبمجرد أن تدير مفتاح السيارة تدخل مباشرة في برنامج واقعي بعنوان “البقاء للأسرع” مع متسابقين إضافيين لم تتم دعوتهم أصلاً، وحكام لا يطبقون القوانين وجمهور غاضب يطلق أصوات “البوري” عند كل فرصة
في الطريق ستجد سائقاً يتنقل بين المسارات دون إشارات وكأنه يفترض أن الجميع يمتلكون قدرات تخاطرية ومطالبون بقراءة أفكاره وآخر يقود بسرعة تجعلك تشك أنه تأخر على إقلاع طائرته الخاصة وثالث يقود ببطء شديد لدرجة أنك تشعر أنه لا يقود بل يتأمل الحياة ويعيد تقييم طفولته وقراراته المصيرية أثناء القيادة او ربما مشغول بمحادثة سناب او تصفح لا يحلو إلا على الطريق
أما الإشارات المرورية فهي اختبار أعصاب معتمد عالمياً تتوقف عند الأحمر فتتحول فوراً إلى كائن يمتلك ست عيون وثلاثة أنظمة إنذار مبكر تراقب جميع الاتجاهات تحسباً لسيارة ترى أن الإشارة الحمراء مجرد اقتراح لطيف أو ربما قطعة ديكور حضري وضعتها البلدية لإضفاء لمسة جمالية على الشارع
وقبل أن يتحول الضوء إلى الأخضر بثوانٍ تبدأ خلفك الأوركسترا الوطنية للعزف على “البوري” والمثير للإعجاب أن قائد الفرقة يبدأ العزف أحياناً قبل وصول العد التنازلي إلى الرقم خمسة وكأن تأخرك نصف ثانية سيؤخر دوران الأرض أو يتسبب في أزمة اقتصادية عالمية أو يفوت عليه آخر مقعد في سفينة نوح
وبعض السائقين مقتنع تماماً أنه الشخصية الرئيسية وإنه المحور في هذا الكون وأن الجميع متآمرون لتعطيله شخصياً فهو الوحيد الذي لديه موعد مهم او يريد الوصول الي وجهته أما بقية البشر فقد خرجوا فقط للتنزه أو ربما لمضايقته بدافع التسلية
وإذا وصلت إلى الماركت سالماً فلا تبتهج كثيراً فما زالت اللعبة في مراحلها المتقدمة
فعند طابور المحاسبة ستجد من يتذكر بعد انتهاء الحساب مباشرة أنه نسي خمسة أغراض “مهمة جداً” فيختفي بين الممرات وكأنه عميل سري في مهمة إنقاذ وطنية وستجد من يراجع الأسعار قطعة قطعة وكأنه يدقق الميزانية العامة للدولة ثم يبدأ العرض الأشهر البحث عن بطاقة الدفع في كل مكان إلا المكان الصحيح ليتبين في النهاية أنها كانت في يده طوال الوقت!
ولا ننسى ذلك الشخص الذي يوقف عربته بشكل عرضي تماماً في منتصف الممر وكأنه قرر إغلاق الطريق لإقامة مؤتمر صحفي عاجل أو لافتتاح مشروع استثماري جديد داخل الماركت
بعد كل هذه التجارب أدركت أن الإنسان المعاصر لا يحتاج إلى دورات في إدارة الوقت بقدر حاجته إلى دورات مكثفة في ضبط الأعصاب وربما إلى ميدالية شجاعة تُمنح لكل من يعود إلى منزله سالماً بعد جولة تسوق ناجحة
ومع ذلك نضحك لأن البديل الوحيد هو أن نعلن رسمياً أن جميع مشترياتنا المستقبلية ستتم عبر التطبيقات… أو بالمراسلات الحمامية!

