بقلم : عاطف بن علي الأسود
لا تزال بعض المجتمعات تنظر إلى الشهادة الأكاديمية على أنها المعيار الوحيد لقياس قيمة الإنسان العلمية والثقافية بينما يعلمنا التاريخ أن المعرفة أوسع من أن تختصر في شهادة وأن الفكر الحقيقي يصنعه الإنسان بما يقرأ وما يكتب وما يتركه من أثر في مجتمعه
لقد شهد العالم العربي خلال القرن الماضي ظهور شخصيات استثنائية لم تكتف بما تلقته داخل قاعات الدراسة بل جعلت من القراءة والاطلاع والبحث أسلوب حياة فتحولت إلى مدارس فكرية ما زالت آثارها حاضرة حتى يومنا هذا
كان الدكتور طه حسين نموذجًا للمثقف الذي قاد نهضة فكرية عربية وأسس لمشروع تنويري كبير كما كان الأديب عباس محمود العقاد مثالًا للمثقف العصامي الذي لم تمنعه محدودية التعليم النظامي من أن يصبح واحدًا من أكبر مفكري العرب بعد أن صنع نفسه بنفسه من خلال القراءة اليومية والاطلاع الواسع حتى أصبحت مؤلفاته مراجع للأجيال
ويأتي الأديب مصطفى صادق الرافعي ليؤكد أن اللغة العربية لا يحرسها إلا العاشقون لها فقد ترك إرثًا أدبيًا خالدًا ما زال حاضرًا في المكتبة العربية إلى اليوم
وفي المملكة العربية السعودية برزت أسماء صنعت حضورها بالمعرفة والبحث قبل أي لقب أو منصب وفي مقدمتها الشيخ حمد الجاسر الذي أصبح مدرسة قائمة بذاتها في التاريخ والجغرافيا والأنساب وتحقيق التراث حتى غدا مرجعًا للباحثين داخل المملكة وخارجها
كما قدم الباحث والأديب مقبل الذكير صورة للمثقف الهادئ الذي آمن بأن الكلمة المسؤولة تصنع أثرًا يبقى أكثر من ضجيج اللحظة فكان من الشخصيات التي أسهمت في إثراء المشهد الثقافي السعودي
وعندما يذكر الأدب في المنطقة الشرقية يحضر اسم الأديب والشاعر عدنان العوامي الذي تميز ببلاغته وجزالة لغته وعمق ثقافته حتى إن معالي الدكتور غازي القصيبي أشاد به ووصفه بمتنبي العصر وهي شهادة أدبية كبيرة تعكس المكانة التي بلغها بين الأدباء والنقاد ولم تأت تلك المكانة من فراغ وإنما من رحلة طويلة مع القراءة والكتابة والإبداع
ومن الشخصيات التي أثرت المكتبة السعودية الكاتب والإعلامي محمد رضا نصر الله الذي جمع بين الثقافة الواسعة والعمل الإعلامي الرصين وقدم عبر مقالاته وحواراته نموذجًا للمثقف الذي يقرأ الواقع بعين ناقدة ويطرح أفكاره بلغة هادئة وعميقة
كما لا يمكن تجاوز اسم المؤرخ محمد سعيد المسلم الذي يعد من أبرز من وثقوا تاريخ المنطقة الشرقية والخليج العربي فأصبحت مؤلفاته مراجع مهمة لكل باحث في تاريخ هذه المنطقة وتراثها
وفي جانب الفكر الفلسفي يبرز الدكتور إبراهيم البليهي الذي قدم مشروعًا فكريًا مختلفًا يدعو إلى مراجعة المسلمات وإعادة بناء العقل على أسس التفكير النقدي وقد اتفق معه البعض واختلف معه آخرون إلا أن الجميع يكاد يجمع على أنه قدم خطابًا فكريًا أثار نقاشًا واسعًا وأعاد الاهتمام بقيمة التفكير الحر
وتزخر الساحة العربية بقامات أخرى لا تزال مؤلفاتها شاهدة على عظمة الفكر مثل أحمد أمين وأنيس منصور وعلي الطنطاوي وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وزكي نجيب محمود وعبد الوهاب المسيري ومحمد عابد الجابري ومالك بن نبي وغيرهم من الأعلام الذين تركوا بصمات لا تمحى في الفكر والأدب والفلسفة والتاريخ
وفي الجانب الإبداعي استطاع المخرج العالمي مصطفى العقاد أن يقدم صورة مشرقة عن الثقافة العربية والإسلامية من خلال أعماله السينمائية التي أصبحت جزءًا من الذاكرة الإنسانية لأنه أدرك أن الثقافة لا تعرف حدودًا وأن الرسالة الصادقة تصل إلى العالم كله
إن القاسم المشترك بين جميع هؤلاء أنهم لم يتوقفوا عند حدود الشهادة ولم يكتفوا بما تعلموه في مراحل الدراسة بل استمروا في التعلم حتى آخر أعمارهم فكانت المكتبات جامعاتهم وكانت الكتب أساتذتهم وكانت التجارب الإنسانية مختبرهم الحقيقي
إن الأمم لا تصنعها الشهادات وحدها بل تصنعها العقول التي تفكر والضمائر التي تكتب والأقلام التي تؤمن بأن المعرفة مسؤولية ورسالة ولذلك بقيت أسماء هؤلاء خالدة لأنهم لم يبحثوا عن الشهرة بقدر ما بحثوا عن الحقيقة ولم يسعوا إلى المناصب بقدر ما سعوا إلى بناء الإنسان
واليوم ونحن نعيش عصر المعرفة الرقمية فإن حاجتنا إلى القراءة أصبحت أكبر من أي وقت مضى لأن الوصول إلى المعلومة أصبح متاحًا للجميع أما تحويلها إلى معرفة ثم إلى حكمة ثم إلى مشروع حضاري فذلك لا يقدر عليه إلا من جعل من القراءة عادة ومن الثقافة رسالة ومن التفكير أسلوب حياة
إن تكريم هذه القامات الفكرية لا يكون باستحضار أسمائها في المناسبات فقط وإنما بإحياء المشروع الذي آمنت به وهو مشروع القراءة والبحث والحوار واحترام الكلمة لأن الأمم التي تكرم مفكريها وتحافظ على تراثها الثقافي هي الأمم الأقدر على صناعة مستقبلها
لقد أثبت التاريخ أن الإنسان قد يولد في بيئة بسيطة وقد لا تتوافر له كل الفرص التعليمية لكنه إذا امتلك إرادة التعلم فلن يقف أمامه شيء وسيبقى الكتاب هو الرفيق الأوفى والعقل المنفتح هو الطريق الأقصر إلى صناعة المجد الفكري والخلود الثقافي
———————————
باحث وإعلامي متخصص في الاقتصاد الصحي
والاستدامة
دراسات عليا في الاقتصاد الصحي – جامعة شفيلد – المملكة المتحدة
X: @alaswadatif
Email: sir.atif@hotmail.com


