«ليست كل قراءة قراءة.»
بقلم عبد المحسن الشقاق
هذه حقيقة واعلم جيدًا قد تبدو قاسية، لكنها أقل قسوة من أن يمنح الإنسان نفسه حق الحكم على كتاب لم يقرأه إلا بعينيه.
لا تتعجب فثمة من يقرأ لأن القراءة أصبحت عنده عادة؛ تراه يفتح الكتاب، يمر على صفحاته، يصل إلى نهايته، ثم يخرج منه كما دخل. لا سؤال، ولا دهشة، ولا محاولة واحدة للبحث عما خبأه الكاتب خلف كلماته.
يعرف ماذا حدث، لكنه لا يسأل: لماذا حدث؟
هناك من لا يقرأ العمل أصلا، بل يكتفي بما قاله سين من الناس عنه، أو بما كتبه الآخر في رأيه، ثم يأتيك مشحونا بموقف غيره، متكئا على حكم لم يصنعه بنفسه، وكأنه صار يملك النص لأنه استعار رأيا عنه. وهذه ليست قراءة، لأنها وبكل سهولة صنعت بصوت آخر.
ثم يغلق الكتاب، أو يغلق عليه رأي غيره، ويمنح نفسه حق إصدار حكم قاس:
الرواية ضعيفة.
الكاتب لم يعرف كيف يكتب.
الشخصية لم تكن مقنعة.
النهاية سيئة.
وكأن الوصول إلى الصفحة الأخيرة، أو سماع رأي الآخرين، يمنح صاحبه بالضرورة أهلية الحكم على ما قرأ.
الوصول إلى الصفحة الأخيرة ليس دليلا على أنك قرأت الكتاب. وأيضا الاعتماد على رأي غيرك ليس دليلا على أنك فهمته. لان الأمر في الحالتين دليل فقط على أنك وصلت إلى النهاية، لا إلى المعنى.
القراءة الحقيقية يا صديقي لا تقاس بعدد الصفحات التي عبرتها، بل بما استطعت أن تكتشفه فيها.
هناك من يقرأ النص كما يقرأ خبرا عابرا، يبحث عن المعلومة ثم يمضي. وهناك من يقرأه كما يقرأ جريمة قديمة؛ يبحث عن الأثر، والدافع، والشيء الذي تركه الكاتب خلفه دون أن ينتبه إليه أحد.
ذلك القارئ لا يمر على الكتاب بهوية مفقودة إنه يدخل من خلاله.
فتراه يتوقف عند جملة لم يتوقف عندها أحد، يشك في الصمت، يرى في التردد معنى، ويعرف أن الشخصية التي قالت شيئا قد تكون أرادت قول شيء آخر تماما.
وهنا يظهر الفارق بين القارئ والقارئ.
فبعض القراء يقرأون الكتاب مرة، ثم يظنون أنهم امتلكوا حقه. أما القارئ الحقيقي، فقد يقرأ الكتاب مرة، ثم يكتشف أنه لم يقرأه بعد.
يعود إلى جملة، فيجد فيها معنى لم يصل اليها من قبل ثم يعيد النظر في شخصية ظنها شريرة، فيكتشف جرحا كان مخفيا. وربما عاد إلى بداية الرواية بعد نهايتها، فاكتشف أن الكاتب وضع الإجابة أمامه منذ الصفحة الأولى، لكنه كان منشغلا بالوصول إلى النهاية.
وهنا تكمن عظمة القراءة:
أن تعيد الرواية تشكيل نفسها كلما عدت إليها.
وأن تتغير الحكاية لأنك أنت من تغيرت.
النقد ليس أن تقول: «لم يعجبني».
هذه جملة يستطيع أي شخص كتابتها.
النقد الحقيقي، أن تعرف لماذا لم يعجبك وأن تدخل إلى العمل قبل أن تحاكمه، لا أن تقف عند بابه ثم تدعي أنك عرفت ما في داخله، ولا أن تستعير موقف غيرك ثم تتحدث بلسانه.
فالكاتب لا يطلب من القارئ أن يحبه، ولا أن يصفق له، ولا أن يوافقه.
لكنه يستحق قارئا حقيقيا مثلك انت تماما.
قارئا يختلف معه بعد أن يفهمه، ويرفض عمله بعد أن يغوص فيه، وينتقده بعد أن يمنحه كامل حقه.
أما أن يأتي الحكم قبل الفهم، أو أن يأتي الفهم من فم غيرك، فذلك ليس نقدا، بل استعجال متنكر في هيئة رأي.
والكاتب الحقيقي لا يخاف من القارئ العميق، الذي انت منهم بل يحتاج إليه.
لأن القارئ العميق قد يرى في النص ما لم يراه الكاتب نفسه، وقد يكشف سرا خبأه في جملة عابرة، وقد يعيد ترتيب الرواية داخل عقل الكاتب، حتى يجعل عمله القادم أكثر عمقا وتماسكًا.
من هنا انا اشير الى القارئ الذي لا يقرأ الكتاب وحسب بل يعيد كتابته كلما قرأه بطريقة مختلفة
فالكاتب يكتب الرواية مرة.
أما القارئ الحقيقي، يعيد كتابتها كلما قرأها بعمق مختلف.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي:
كم كتابا قرأت؟
بل:
كم كتابا استطاع أن يغير الطريقة التي تنظر بها إلى الأشياء؟
لأن هناك من قرأ مئات الكتب، ولم يخرج من أي منها.
وهناك من قرأ كتابا واحدا بصدق، فخرج منه إنسانا آخر.
بقلم/ عبدالمحسن إبراهيم الشقاق
للتواصل على صفحتي في الانستغرام
Abdalmohsen.ebrahem
عبدالمحسن الشقاق

