بقلم تهاني الحربي
هناك مشهد يتكرر كثيرًا، وربما أصبح عاديًا إلى درجة أننا لم نعد ننتبه إلى أثره:
شخص يمشي في مكان عام مستخدمًا عكازًا، أو كرسيًا متحركًا، أو أي وسيلة مساعدة على الحركة… وفجأة تتحول الأنظار إليه.
نظرة طويلة.
نظرة سريعة يتبعها التفاتة أخرى.
همسة بين شخصين.
أو ذلك السؤال الذي يُطرح بصوت عالٍ وكأن الشخص غير موجود: «وش فيه؟»
قد تكون بعض هذه التصرفات نابعة من الفضول، لا من سوء النية. فوسائل المساعدة على الحركة ما زالت غير مألوفة للبعض، خصوصًا عندما يكون مستخدمها شابًا أو يبدو بصحة جيدة من الخارج.
لكن هنا تحديدًا تكمن المشكلة:
فضولك لا يمنحك حق جعل شخص آخر يشعر بأنه تحت المجهر.
العكاز ليس إعلانًا عن قصة صاحبه
من أكثر الأفكار الخاطئة شيوعًا أن استخدام العكاز يعني بالضرورة أن الشخص مصاب بإصابة واضحة، أو أنه تعرّض لحادث، أو أنه يحتاج إلى مساعدة دائمة.
الحقيقة أكثر تعقيدًا.
قد يكون الشخص مصابًا بحالة صحية مزمنة، أو اضطراب عصبي، أو ألم، أو ضعف في التوازن، أو إرهاق شديد، أو حالة لا يستطيع الآخرون رؤيتها بمجرد النظر إليه.
وهنا نصل إلى مفهوم مهم جدًا: الإعاقة غير المرئية.
أنت ترى العكاز، لكنك لا ترى بالضرورة السبب الذي جعل صاحبه يحتاج إليه.
ولذلك، فإن عبارة مثل:
«بس أنت شكلك طبيعي!»
ليست مجاملة كما قد يظن البعض.
هي في أحيان كثيرة رسالة تقول للشخص: أنا لا أرى إعاقتك، ولذلك أشك في وجودها.
لكن ماذا عن الفضول؟
الفضول الإنساني طبيعي.
أن تلاحظ شيئًا غير مألوف أمر طبيعي.
أن تتساءل في داخلك أمر طبيعي.
لكن هناك فرقًا كبيرًا بين أن تلاحظ وبين أن تحدّق.
لاحظ، ثم أكمل يومك.
لأن الشخص الذي يستخدم وسيلة مساعدة على الحركة لا يحتاج إلى أن يصبح فجأة موضوعًا عامًا للنقاش لمجرد أنه قرر الخروج من منزله.
تخيل أنك تحاول الاستمتاع بقهوة، أو حضور فعالية، أو السفر، أو المشي في مدينة جديدة، بينما أنت أصلًا تبذل طاقة إضافية حتى تتحرك… ثم تجد نفسك واعيًا بكل عين تلاحق خطواتك.
هنا لا يعود الأمر مجرد «نظرة».
بل يصبح عبئًا إضافيًا على شخص يحمل أصلًا ما يكفيه.
والأغرب أننا أحيانًا نعاقب الأشخاص لأنهم جعلونا نشعر بعدم الارتياح
هذه نقطة تستحق التأمل.
لماذا نشعر بالحرج عندما نرى شخصًا يستخدم عكازًا؟
لماذا يصبح وجود الإعاقة في مساحة عامة أمرًا يحتاج إلى تفسير؟
ولماذا يكون السؤال أحيانًا:
«ليش يستخدم عكاز؟»
بدلًا من:
«لماذا اعتدنا أصلًا على أن يكون العكاز مشهدًا غير مألوف؟»
ربما المشكلة ليست في الشخص الذي يستخدم العكاز.
ربما المشكلة في أن مجتمعاتنا لم تُعوّدنا بما يكفي على رؤية الاختلاف دون أن نشعر بالحاجة إلى التحديق فيه أو تفسيره.
والأهم: لا تفترض أن وسيلة المساعدة مريحة لصاحبها
هناك فكرة جميلة جدًا يمكن أن نخرج بها من هذا الموضوع:
الشخص الذي يستخدم العكاز قد يكون أصلًا غير مرتاح لفكرة استخدامه، تمامًا كما أنك غير مرتاح لرؤيته.
الفرق أن هذا الشخص يحتاج إليه.
العكاز بالنسبة له ليس إكسسوارًا، ولا وسيلة لجذب الانتباه، ولا إعلانًا عن هويته.
إنه أداة تساعده على أن يعيش حياته.
أن يذهب إلى العمل.
أن يخرج مع أصدقائه.
أن يسافر.
أن يتسوق.
أن يمشي في الشارع.
أن يفعل الأشياء التي يفعلها الجميع.
العكاز ليس دعوة للتحديق. إنه وسيلة للاستقلال.
ماذا نفعل عندما نرى شخصًا يستخدم وسيلة مساعدة؟
ببساطة… عامله كما تعامل أي شخص آخر.
لا تحدّق.
لا تهمس عنه أمامه.
لا تسأل عن تشخيصه بدافع الفضول.
لا تفترض أنه يحتاج مساعدتك لمجرد أنه يستخدم عكازًا.
وإذا احتاج مساعدتك، دعّه يطلبها أو اسأله باحترام دون أن تفرض نفسك عليه.
والأهم من ذلك كله:
لا تجعل الشخص يشعر بأنه مطالب بتبرير وجوده في المكان.
فالمجتمع الشامل ليس المجتمع الذي لا يرى الاختلاف.
بل المجتمع الذي يرى الاختلاف ولا يحوّله إلى فرجة.
وفي المرة القادمة التي تلاحظ فيها شخصًا يستخدم عكازًا، تذكّر هذه الجملة:
ربما هو لا يريد أن يلفت انتباهك أصلًا… وربما كل ما يريده هو أن يكمل طريقه بسلام.
وهذا، في الحقيقة، ليس طلبًا كبيرًا.
أن ترى الإنسان قبل أن ترى إعاقته

