بقلم: عبدالمحسن إبراهيم الشقاق
هناك أشياء نفعلها كل يوم، ثم نقضي الليل نحاول إقناع أنفسنا أنها كانت عادية.
نفتح محادثة قديمة، نبحث عن اسم، نقرأ جملة قيلت منذ زمن، نراقب آخر ظهور لشخص لا نريد أن يعرف أننا ما زلنا ننتظر ظهوره. ثم نضع الهاتف جانبا، وكأن القلب لم يتحرك.
نقول أحيانا: «ما يهم.» ونحن نعرف بالضبط كم يهم.
نقول: «خذ راحتك.» ثم نتألم حين يأخذها بعيدا عنا.
نقول: «أنا بخير.» ونتمنى من الشخص الذي أمامنا أن يكون أذكى من الإجابة. أن ينظر إلى وجوهنا قليلا…
ثم يقول: «تعال… تكلم.»
هناك شخص واحد على الأقل، لو أرسل الآن: «اشتقت لك» لانهار فينا شيء ظل واقفا منذ وقت طويل قد نقرأ الرسالة عشر مرات قد نبتسم قد نتأخر في الرد حتى لا يعرف مقدار ما فعلته كلمة واحدة بنا…
ثم نكتب: «وأنا كذلك»
و نمسحها فنكتب:
«اشتقت لك أكثر»
ونمسحها أيضا. ثم نرسل شيئا باردا، يشبه الإنسان الذي حاولنا أن نقنعه بأننا أصبحناه.
كم مرة أردنا أن يسألنا شخص عن تعبنا، وحين سأل أجبناه بعكس الحقيقة؟ ليس لأننا نريد الكذب، هناك تعب يصل إلى مكان عميق، يصعب معه تحويله إلى جملة.
تريد أن تقول:
أنا متعب من أشياء كثيرة. من التظاهر بأنني أفهم. من تجاوز أشياء لم أتجاوزها. من الأشخاص الذين احتجتهم ولم يجدوا الوقت. من كوني الشخص الذي يلجأ إليه الجميع حين لا يجدون أحدا. ثم لا تجد أنت أحدا.
فتضحك وتقول: «عادي.»
وأحيانا نغار. غيرة صغيرة نخجل منها.
نرى شخصا نحبه يمنح غيرنا الاهتمام الذي كنا نعتقد أنه لنا. نراقب التفاصيل. سرعة الرد. طول الحديث. الضحكة. ذلك القرب الذي لم نطلبه يوما، لكننا اعتدنا وجوده.
ثم نغضب من أنفسنا. كيف يمكن لشخص أن يجعلنا بهذه الهشاشة؟ وأحيانا نبتعد عن شخص نحبه، ثم ننتظر أن يلاحظ غيابنا. نقول لأنفسنا إننا نحتاج المسافة.
ثم نراقب المسافة نفسها ونتساءل: هل شعر بي؟ هل بحث عني؟ هل سأل أين ذهبت؟
وهنا تكون الكارثة الصغيرة التي لا نعترف بها: أن جزءا منا ابتعد كي يعود إليه الآخر.
هناك اعتذارات لا نريدها بعد الآن. نريد فقط أن يعرف الشخص الذي أوجعنا ماذا فعل بنا. أن يجلس يوما مع نفسه، ويتذكر كلمته، ثم يفهم لماذا تغير شيء فينا بعدها.
نريد أن يصل إليه الألم بالقدر الذي وصل إلينا. ثم حين نتخيل ذلك، نشعر بالخجل من أنفسنا.
فنحن في الحقيقة لم نكن نريد الانتقام. كنا نريد أن يشعر بنا أحد.
وهناك أشخاص فقدناهم قبل أن يغادروا. نراهم. نتحدث معهم. نضحك. نرد على رسائلهم.
لكننا نعرف في مكان لا تكذبه الذاكرة أن شيئا انتهى. لكننا لا نعرف متى. ولا نستطيع الإمساك باللحظة. فقط نعرف أن الشخص نفسه ما زال أمامنا، والعلاقة التي كانت بيننا تعيش في مكان آخر.
وأقسى ما قد يكتشفه الإنسان عن نفسه، أنه يستطيع التعود على غياب شخص، ثم يخاف حين يعود.
يشتاق إليه حين يبتعد، ويرتبك حين يقترب. يريده. ثم يخاف من حاجته إليه فيبني بينه وبينه مسافة، ثم يقضي الليل يتمنى لو عبرها أحد.
وأحيانا نريد كلمة واحدة فقط:
«أنا فاهمك.» لا نصائح. لا حلول. لا أسئلة كثيرة. فقط شخص يرى الفوضى التي داخلنا ولا يخاف منها. شخص نستطيع أمامه أن نسقط قليلا، دون أن نشعر أننا خسرنا صورتنا. ولعل أغرب ما في الإنسان، أنه يخفي أشياءه حتى عن الأشخاص الذين يتمنى أن يكتشفوها.
يريد أن يسأل عنه أحد فيتظاهر بأنه مشغول.
يريد أن يسمع «اشتقت لك»، فيتصرف كأن الأمر لا يعنيه.
يريد أن يحتضنه أحد، فيقول:
«أنا تمام.»
يريد أن يقول: «ابق معي.» فيقول: «انتبه لنفسك.»
ثم يمضي. ويترك خلف الجملة كل الكلام الذي لم يستطع حمله إلى فمه. وربما لهذا نبدو للناس أكثر اتزانا مما نحن عليه.
يمر يومنا بصورة طبيعية.
نضحك. نعمل. نتحدث. نعود إلى بيوتنا. نغلق الباب. وفجأة، لا يبقى أمامنا أحد، فنسمع أنفسنا بوضوح.
هناك تظهر الأسماء التي دفناها تحت الانشغال، والأسئلة التي أجلناها، والرسائل التي لم نرسلها، والأشخاص الذين قلنا إننا تجاوزناهم، والأشياء التي أقسمنا أنها لم تعد تعنينا.
ثم يأتي ذلك الصوت الصغير في الداخل، الذي لا نستطيع إسكاتَه مهما طال الوقت:
كنت أريد فقط أن يفهمني أحد.
ثم نسكت.
لأننا نعرف تماما، كم شخصا كان يمكن أن يفهمنا لو امتلكنا الشجاعة لنقول له ما في داخلنا.
عبدالمحسن إبراهيم الشقاق

