في ثقافة الاستهلاك الحديثة ترسّخت عبارة:الزبون دائمًا على حق حتى أصبحت وكأنها قانون غير قابل للنقاش
لكن الحقيقة التي يغفلها كثيرون ليست كل شكوى عادلة ولا كل اعتراض منصف ولا كل زبون محق
هناك بشر يقفون على الطرف الآخر…
ليسوا آلات لتنفيذ الطلبات بل قلوبٌ تنبض ونفوسٌ تتعب وأرواحٌ تحمل من الضغوط ما لا يُرى.
فهناك الوجه الذي لا نراه العامل أو الموظف الذي يخدمك قد يكون:غريبًا عن وطنه تاركًا خلفه عائلة تنتظر لقمة العيش ومثقلًا بمسؤوليات لا يعلمها أحد يعمل لساعات طويلة تحت ضغط مستمر و يحاول أن يرضي الجميع… وغالبًا لا يُرضي أحدًا
ومع ذلك يُقابل أحيانًا بقسوة أو تعالٍ أو حكم سريع…أو عنصرية
لمجرد تأخير بسيط أو خطأ غير مقصود أو حتى مزاجٍ سيئ من الطرف الآخر.
وحين يتحول الحق إلى ظلم المشكلة ليست في إبداء الملاحظات… بل في الطريقة وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية
ليست كل ملاحظة تُقال في العلن ولا كل خطأ يُواجه بالتجريح إن كان لديك رأي أو نقد فليكن بكلمة طيبة وفي موضعٍ يحفظ كرامة الإنسان لا تتكئ على انطباعات مسبقة ولا على حكايات سُمعت من غيرك فتُصدر حكمًا قد يكون سببًا في قطع رزق إنسان.
كم من كلمة قيلت بحدة كانت سببًا في إحراج إنسان أمام الآخرين وتشويه سمعته ورفع شكوى قاسية أدت إلى فصله أو خصم رزقه كل هذا… لأمرٍ قد لا يستحق كل هذا التصعيد هنا نسأل بصدق:هل هذا حق؟ أم ظلمٌ مغلّف بثقافة “أنا الزبون”؟
العدل لا يتعارض مع الرحمة والدين والأخلاق لم يمنعانا من المطالبة بحقوقنا لكنهما شددا على الرفق والعدل والإحسان “وقولوا للناس حُسنًا”ليست مجرد آية تُتلى… بل منهج حياة أن تُنبه نعم أن تطلب حقك، نعم.
لكن أن تُؤذي، أو تُقصي، أو تُهدد رزق إنسان… فهذا ليس من الحق في شيء ضع نفسك مكانه تخيل أنك تقف موقفه وتنتظر كلمة تُنصفك لا تُقصيك.
كم من شخصٍ ترك وطنه وأهله وأمانه ليؤمّن حياة كريمة لمن يحب فلا تكن أنت سببًا في تضييق رزقه أو كسر خاطره.
فقط تخيلك لنفسك مكانه كفيلة بأن تجعلك تفكر ألف مرة وتقف عندها لتغير أسلوبك وربما حياتك
حينها يكون الإصلاح أرقى من العقاب
الخطأ يُعالج نعم …لكن بالتي هي أحسن لا بالقسوة ولا بتضخيم الأمور فاليس كل تقصير يستحق العقوبة
وليس كل مزاجٍ سيئ مبررًا للأذى.
فالتكن إنسانًا قبل أن تكون زبونًا واختر الوقت والمكان المناسب ولا تُحرج أحدًا أمام الناس وابدأ بلطف: الكلمة الطيبة تفتح القلوب قبل أن تصحح الأخطاء وتحقق قبل أن تحكم فليس كل ما تراه خطأً هو كذلك فهناك فرّق بين الخطأ البسيط والإهمال الحقيقي واجعل نيتك الإصلاح لا الانتقام وتذكر أن خلف هذا الإنسان عائلة تعيش من هذا العمل وليس العدل أن تنتصر لنفسك فقط بل أن تحفظ حقك دون أن تسلب حق غيرك
وليس النجاح في أن تحصل على خدمة مثالية بل في أن تخرج من الموقف دون أن تجرح إنسانًا أو تقطع رزقه
في النهاية… نحن لا نُختبر في لحظات الرضا بل في لحظات الإنزعاج وهناك تحديدًا… يظهر معدن الإنسان العدل رحمة… والرحمة لا تُنقص حق أحد بل تُكمله.

