بقلم د.علي عبدالله الدومري
يرى مراقبون أن اطلاع الدول العربية الكبيرة بواجباتها نحو محيطها العربي وإخوانها بهمة كبيرة واهتمام قائم على الأخوة والاحترام والجوار والدين والعروبة والنسب هو الحاجز الذي سيمنع كل التدخلات الخارجية في المنطقة العربية ويقف سداً منيعاً أمام مشاريع الاستقطاب الدولي ويضمن عدم تبعية أي دولة في المنطقة العربية وابتعادها عن محيطها العربي وعمقها الأخوي والتاريخي والجغرافي، وذلك من خلال سياسة الاحتواء التي تقوم على معالجة التحديات الاقتصادية بعيداً عن سياسة الإلحاق والتبعية، بل تكافل وتعاون أخوي شفاف لا يتعارض مع الحرية والاستقلال والسيادة الخاصة بجغرافية كل بلد عربي. حينها ستخط المنطقة العربية صفحة جديدة من التعاون الأمني والتكامل الاقتصادي والتعايش الفكري والتضامن الأخوي والجوار والترابط بكلفة اقتصادية بسيطة تعود ثمارها على حياة الشارع العربي، بعكس استخدام العنف والحرب والتباعد والتنافر والتقاتل والاستكبار والتعالي والاستخفاف والاستضعاف لدولة عربية صغيرة هنا أو فقيرة هناك.
لاسيما والمرحلة صعبة وحساسة، والتساهل في مجرياتها وعدم الاكتراث لأحداثها قد تكون نتائجه كارثية على المنطقة ككل. فسدّ الثغرات أمام الاستقطاب يحتاج حنكة إدارية ورؤية استراتيجية تضع العلاج على الجرح، أو كما يقال: “الباب الذي يأتيك منه الريح سدّه واسترح”. وأكثر الثغرات والأبواب التي تتسلل منها سياسة الاستقطاب اقتصادية بحتة، الأمر الذي يحتم على دول الثقل العسكري والاقتصادي حل المشكلات الاقتصادية وإشعار الناس بالحياة الكريمة القائمة على التعاون والتآخي والتكافل والتراحم المنبثق من تعاليم الدين الإسلامي الحنيف.
فالمنطقة العربية جسد واحد إذا مرض منه عضو تداعت له باقي الأعضاء بالسهر والحمى، والعلاج ليس بالكي والحسم العسكري بل بالتأهيل الاقتصادي والبناء التنموي ليصبح قادراً على الصمود والحياة والقيام بواجبه العربي المحوري جنباً إلى جنب إخوانه بكل محبة وسلام وأخوة واحترام. الحلول العسكرية لن تكون مجدية بل الأجدى الحلول الاقتصادية، ورسولنا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم قال: “خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي”، وكل الوطن العربي أهل ومستحقون قبل البعيد لمد يد العون. وكل دولار يصرف ويسد جوع مواطن عربي ويسهم في تعليمه وصحته وتحسين معيشته يعتبر حجرة تسهم في سد ثغرة من الثغرات التي يتسلل منها البعيد لخدمة بلده.
بالدبلوماسية الحكيمة والبصيرة وضبط النفس الاستراتيجي والعمل على تقوية الداخل العربي يستطيع العقل العربي تجنيب المنطقة العربية تداعيات الحرب الحالية في منطقة الشرق الأوسط. والجهات المعنية بذلك بدرجة رئيسية هي الحكومات العربية ورجال الاقتصاد العرب والإعلام العربي بكل تخصصاته، وستكون الفائدة استقراراً اقتصادياً ونجاحاً أمنياً والمحافظة على أسعار النفط. والعكس إذا غابت الحكمة والدبلوماسية والتوازن السياسي في التعامل مع القضايا والأحداث الكبيرة ستُصاب المنطقة بتراجع في النمو واتساع رقعة الحرب، والتدهور الكلي للأوضاع على كل المستويات.
إن الحروب مهما كانت شدتها وأضرارها ومظلوميتها وبغض النظر إلى شرعيتها أو عدم شرعيتها فلن تكون الخطوة النهائية على طريق العلاقات الإنسانية والأخوية بين الشعوب، فقد تكون اللبنة الأولى التي تؤس مداميك علاقات تقوم على الجوار والاحترام الذي يقود إلى القوة والوحدة والأمن والأمان والاستقرار على كل المستويات. فالتضحيات تُخلد في سجلات المجد والثبات، والجراح تُرمم وتُشفى، والأضرار تُعوض، والحزن يُمحى، والنفوس تهدأ، والخاطر يطيب. فقد قالت العرب: المخطئ يعتذر، ومن كسر جبر، ومن يهدم يبني، ومن ظلم ينصف، ومن سبب ضرر يعوض. والاعتذار شيمة من شيم العرب ليس نقصاً، وكذلك التصالح والتسامح من صفات العرب. فما بعد الدمعة إلا زرع الابتسامة، وما بعد الشدة إلا الرخاء، وما بعد القطيعة إلا الوصل والتقارب، وما بعد الحرب إلا السلام.

