الكلمة عقد لا يحتاج إلي ورق

ذلك الكائن الخفي الذي لا يُرى، لكنه يحكم العالم أكثر مما تفعل القوة والسلاح.
فمنذ أن قال الله عز وجل: ﴿كن فيكون﴾ بدأ الوجود اصبح بين الكاف والنون وكأن الله أراد أن يعلّم الإنسان منذ اللحظة الأولى أن أصل الخلق معنى وأن جوهر الحياة خطاب وأن الكلمة ليست صوتًا عابرًا بل فعل وجودٍ كامل

آدم عليه السلام خُلق بكلمة وعيسى عليه السلام كان آية من آيات الله بكلمة يحيي الموتى بإذن الله ويبرئ المرضى بأمر الله وكلمته والجنة كلمة والنار كلمة والإيمان كلمة والكفر كلمة والرسالات السماوية كلها بدأت بكلمة التوحيد وخاطب الله رسوله وحبيه محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بكلمة بل إن أول ما دخل به الإنسان في الإسلام كان كلمة:
“لا إله إلا الله”.
فالصلاة بدأت بكلمة الله آكبر
والحج يبدأ بكلمة لبيك
وأعظم عهد بين عبدٍ وربه يبدأ بكلمة التوحيد ودعائه له بأحد أسمائه الحسنى وصفاته كلمة ندعوا بها الله حتى حياة الإنسان اليومية قائمة على الكلمات فالزواج يبدأ بكلمة وينتهي بكلمة والبيع كلمة والعدل كلمة والقضاء كلمة والعهد كلمة والقدر كلمة والحب كلمة والحقد كلمة والصدق كلمة والكذب كلمة

وكأن الإنسان لا يعيش إلا داخل عالمٍ من الكلمات فهي التي تمنحه هويته وتصنع صورته وتكشف حقيقته
ولهذا قال الإمام علي عليه السلام “تكلّم حتى أعرفك”
فالإنسان يُعرف من منطقه وتنكشف روحه من عباراته لأن الكلمات ليست ألفاظًا فقط بل انعكاسًا لما يسكن الداخل

إن للكلمة بُعدًا فلسفيًا عميقًا فالكلمة ليست مجرد أداة للتعبير بل هي الوعاء الذي تتشكل فيه الحقيقة ذاتها
فالإنسان يفكر بالكلمات ويؤمن بالكلمات ويحب بالكلمات ويكره بالكلمات بل حتى فهمه لنفسه وللعالم من حوله يتكون عبر اللغة ولهذا فإن فساد الكلمة يعني فساد الوعي وضياع معناها يعني ضياع الإنسان نفسه

ولو أدرك البشر حقيقة الكلمة لما خرجت منهم إلا في موضعها الصحيح لأن الكلمة مسؤولية قبل أن تكون حرية وقد قال الله تعالى: ﴿ألم ترَ كيف ضرب الله مثلًا كلمةً طيبةً كشجرةٍ طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ومثل كلمة خبيثة كشجرةٍ خبيثة اجتُثّت من فوق الأرض ما لها من قرار﴾

فالكلمة الطيبة ليست مجرد صوت جميل بل أصل ثابت يمتد أثره في الأرواح والأزمنة أما الكلمة الخبيثة فهي وإن بدت عابرة إلا أنها بلا جذور تفسد ثم تزول لكنها تترك خرابًا في القلوب ويقول الله تعالى أيضًا:﴿يثبّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾.
وكأن الثبات الحقيقي يبدأ من الكلمة لأن الإنسان قبل أن يسقط بأفعاله يسقط بكلامه وقبل أن ينهض بأعماله ينهض بما يؤمن به وينطقه

إن الحساب نفسه كلمة…فكم من كلمة رفعت صاحبها وكم من كلمة أوردته المهالك ولهذا كان الأنبياء والحكماء أكثر الناس احتياطًا في ألفاظهم لأنهم يعلمون أن الكلمة قد تقوم مقام السيف تحقق عدلًا وتنصر مظلومًا وتحيي أمة
وقد تكون ظلمًا يقتل إنسانًا معنويًا أو يشعل فتنة لا تنطفئ

ليت الناس لا يستهينون بالكلمات…
فبعض الكلمات لا تموت تبقى عالقة في القلب سنوات تبني إنسانًا أو تهدمه تمنحه الأمان أو تزرع فيه الخوف والانكسار
إن الكلمة عهد وميثاق ووعد وشرف لا يحتاج الي عقدٍ مكتوب ولا تحتاج دائمًا إلى ورقٍ لتوثيقها لأن الشرفاء يحملون عهودهم في ضمائرهم
فالرجل يُؤخذ من كلمته ويُعرف بوفائه لها ويُعاتَب إن خالفها بل قد يُحاكم بكلمة نطق بها لانها عهده وشرفه

وبالكلمات نميز بين العاقل والجاهل وبين الطيب والخبيث وبين النفوس النقية وتلك التي امتلأت ظلمة فالكلمة مرآة الإنسان وصدى قلبه وأثر عقله وبالكلمة نعرف من نحن حقًا

فلنتقِ الله في كلماتنا…
ولنحفظها صدقًا وكرامة ولنعلم أن بعض الكلام يُكتب في صحائفنا قبل أن يصل إلى أسماع الناس فما العهد إلا كلمة
وما الإنسان في نهاية الأمر… إلا أثر ما قال

اترك رد

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top