التبرير ليس دائمًا ضعفًا…
فأحيانًا يكون محاولة بريئة لحماية صورةٍ أحببنا أن تبقى نقية في أعين الآخرين
وأحيانًا يكون صرخة خفية تقول:
“افهموني كما أنا… لا كما تتخيلونني”
لكن المشكلة تبدأ حين يتحول التبرير من موقف عابر… إلى أسلوب حياة
حين يصبح الإنسان واقفًا طوال الوقت في قفص الدفاع عن نفسه يشرح ويعيد الشرح ويستهلك قلبه ليقنع أشخاصًا قرروا مسبقًا ألّا
وكأن مهمته في هذه الأرض أن يبرر ويقنع ويحاول تغيير افكار ونظرة الأخرين عنه
فاليس كل صمتٍ تهمة
ولا كل موقف يستحق أن نقف أمامه لنشرح أنفسنا وكأننا متهمون في محكمة الحياة
فالتبرير في معناه الإنساني الأول ليس خطأً دائمًا بل قد يكون سلوكًا نابعًا من الطيبة ومن رغبة الإنسان في الحفاظ على العلاقات أو خوفه من أن يُساء فهمه
نحن نبرر لأننا نحب لأننا نهتم لأننا نريد أن تبقى صورتنا واضحة في قلوب من حولنا
فالإنسان النقي يتألم حين يُساء فهمه ويحاول أن يرمم ذلك الألم بالكلمات
لكن ما لا ندركه أحيانًا… أن كثرة التبرير تستنزف الروح أكثر مما تصلح العلاقات
فالذي يحبك بصدق لن يحتاج إلى كل هذا الشرح
والذي قرر أن يدينك لن يقتنع ولو تحدثت ألف مرة بل بالعكس يتخذ تبريرك دليل إدانتك هناك أشخاص لا يبحثون عن الحقيقة بل يبحثون عن خطأ يدينونك به وعن ثغرة يدخلون منها إلى صورتك ليشوهوا نقاءها
ومهما بررت لهم سيحوّلون تبريرك إلى اعتراف وصمتك إلى إدانة وطيبتك إلى ضعف
لهذا يصبح التبرير أحيانًا نوعًا من الهشاشة النفسية حين يفقد الإنسان ثقته بنفسه ويشعر أنه مطالب دائمًا بإرضاء الجميع وكأن قيمته مرتبطة بمدى اقتناع الآخرين ب.
فيبدأ بالشرح المستمر والدفاع الدائم حتى يتعب قلبه من حمل صورة نفسه فوق كتفيه طوال الوقت
وكثرة التبرير قد تضع الإنسان في موضع ذلٍّ لا يشعر به فكلما بالغ في شرح ذاته بدا وكأنه يستجدي التصديق بينما الكرامة الحقيقية تعرف متى تتكلم… ومتى تكتفي بالصمت.
فليس كل موقف يستحق أن نبرر فيه
وليس كل شخص يستحق أن يرى أعماقنا
أحيانًا يكون الصمت أكثر هيبة من ألف تفسير وأحيانًا يكون الانسحاب أبلغ من الدفاع الطويل والحقيقة العميقة التي نحتاج أن ندركها هي أن البشر لا يفهمونك دائمًا بحسب ما تقول بل بحسب ما يريدون أن يروا لذلك لا تُرهق روحك في محاولة تصحيح صورتك داخل عقلٍ اختار أن يراك مشوهًا
التبرير الصحي هو ما كان في موضعه لمن يستحق وفي حدود تحفظ كرامتك وراحتك النفسية أما التبرير الدائم فهو استنزاف بطيء يجعل الإنسان يعيش عمره معتذرًا عن كونه نفسه ومن النضج أن تعرف أن ليس كل سوء فهم كارثة وليس كل اتهام يحتاج ردًا
وليس كل من أساء الظن بك يستحق أن تمنحه جزءًا من سلامك الداخلي
فبعض الأرواح خُلقت لتفهمك من نظرة
وبعضها لن تفهمك ولو شرحت عمرك كله

