للشاعر وليد حرفوش ” النهر ” رحلة العمر من المنبع إلى المصب

الدمام-
في هذه القصيدة ينسج الشاعر وليد حرفوش لوحةً شعرية آسرة، يجعل فيها من النهر رمزًا لمسيرة الإنسان في الحياة. فمنذ انبثاقه من المنبع، وهو يشق طريقه بعزم وإصرار، متجاوزًا الصخور والعقبات، وناشرًا الخير والجمال أينما مر، حتى يبلغ محطته الأخيرة حيث يلتقي بالبحر، في مشهد يختزل حقيقة الوجود، ويؤكد أن لكل بداية نهاية، وأن رحلة العمر مهما طالت فإنها تمضي إلى مصيرها المحتوم.

وقد مزج الشاعر بين الصور الطبيعية الزاخرة بالحياة، والتأملات الإنسانية العميقة، فجاءت القصيدة ثرية بالإيحاءات، نابضة بالموسيقى، تحمل في طياتها دعوة إلى التأمل في رحلة الإنسان، وقيمة العطاء، وحتمية الرحيل.

” النهر “
شعر: وليد حرفوش

يصرفُ العمرَ رحيلاً وسفرْ
ثائرٌ قد ملَّ من أسرِ الضجرْ

يَقطعُ الأرضَ ليطوي عمرَهُ
يسألُ الكونَ بحقٍ ما الخبرْ

حطَّمَ القيدَ بماءٍ ثائرٍ
زلزلَ الصخرَ بعزمٍ وانهمَرْ

مُفعمٌ بالأفقِ يرنو نحوه
يطلبُ الشمسَ بعينيهِ نظرْ

شقَّ دربًا لحياةٍ حرةٍ
وتهادى ينثرُ الخصبَ صورْ

صار يجري في مكانٍ مشرقٍ
خطَّهُ الأمسُ بألواحِ القدرْ

كفُّهُ الخيرُ على وسعِ المدى
ونماءٌ أينما القطرُ استقرْ

وجهُهُ الغيمُ ولونٌ أزرقٌ
وشعاعٌ أينما حلَّ بهرْ

جسمُهُ الدربُ بضيقٍ وسعةٍ
وانحناءٍ كيفما شاءَ الممرْ

زيَّنَ الدوحُ فراشًا دربَهُ
وطيورًا وطيوبًا وثمرْ

يعلقُ الطيبُ على أردانِهِ
وعلى الرأسِ أكاليلُ زهرْ

غازلَ الروضَ بألحانِ الهوى
وتوارى بين عشبٍ وشجرْ

والكعابُ الغيدُ وردٌ حولهُ
أسكروا الدوحَ بخفرٍ قد سحرْ

وفتاةٌ تغسلُ السحرَ بهِ
أبدتِ الحسنَ وما الثوبُ سترْ

جسمُها البضُّ جحيمٌ لاهبٌ
لوَّعَ النهرَ بنهديهِ وَفَرْ

يسهرُ الليلُ لدربٍ حارسًا
يرسلُ النورَ لعينيهِ قمرْ

هدهدَ الليلَ بلحنٍ مرهفٍ
كمغنٍّ هام عشقًا بالوترْ

رقَّصَ الطيرَ فغنَّى وانتشى
حرَّكَ الحسَّ بأعماقِ الحجرْ

عندما دبَّ بهِ الشيبُ جثا
أنَّ من خطوِ لياليهِ فقرْ

شلَّهُ الوهنُ وأثنى عزمَهُ
ثغرُهُ الصمتُ وعيناهُ الأثرْ

قالَ: خذني أيها البحرُ، أنا
هدَّني السيرُ وأعياني الكِبَرْ

ظلَّ يمشي في خشوعٍ مدهشٍ
نحو قبرٍ مالحٍ فيه انهمرْ

ضمَّهُ البحرُ صريعًا ميتًا
لحظةَ النزعِ… أبالموتِ شعرْ؟

ودَّعَ العمرَ مهيبًا صابرًا
قبرُهُ الغيمُ وأعماقُ البحرْ

صبَّ قلبُ الأرضِ دمعًا حزنَهُ
فتَّقَ الحزنُ غيومًا ومطرْ

نحنُ نجري في طريقٍ زائلٍ
قصةُ النهرِ كأعمارِ البشرْ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top