الضيافة ثقافة مجتمع والكرم رسالة رجال

بقلم : عاطف بن علي الأسود

ليست الضيافة في مجتمعنا مجرد عادة اجتماعية توارثتها الأجيال وليست مناسبة يلتقي فيها الناس حول مائدة طعام ثم ينتهي أثرها بانتهاء اللقاء بل هي ثقافة راسخة تعكس أصالة المجتمع وقيمه وهي رسالة تحمل في تفاصيلها معاني الوفاء والمحبة والاحترام والتقدير وتؤكد أن الإنسان يبقى بما يقدمه للآخرين من خلق كريم قبل أي اعتبار آخر

لقد عرف العرب منذ القدم بالكرم والسخاء وكانت المجالس العامرة بالضيوف عنوانا للشهامة والمروءة ولم يكن الكرم يوما يقاس بكثرة ما يقدم من طعام وإنما بما يحمله القلب من محبة وما يقدمه صاحب الدار من حسن استقبال وصدق مشاعر حتى أصبحت الضيافة إحدى القيم التي يعتز بها المجتمع ويرى فيها انعكاسا لهويته الأصيلة

وفي زمن تتسارع فيه الحياة وتنشغل النفوس بأعباء العمل ومتطلبات المعيشة تبقى اللقاءات الإنسانية الصادقة ذات قيمة كبيرة لأنها تعيد إلينا دفء العلاقات وتؤكد أن التواصل الحقيقي لا تصنعه وسائل التقنية وحدها وإنما تصنعه المجالس التي تجمع الأحبة وجها لوجه حيث الكلمة الطيبة والابتسامة الصادقة والحديث الذي يلامس القلب قبل العقل

ومن هذا المنطلق كان لي شرف المشاركة مع عدد من الأحبة في أمسية كريمة بدعوة من الأخ العزيز مصطفى الهاشم الذي جسد في تلك الليلة أجمل صور الكرم وحسن الضيافة فلم يكن اللقاء مجرد دعوة إلى عشاء بل كان مناسبة اجتماعية راقية امتزجت فيها المحبة بالاحترام وكان كل ما في المجلس يعكس شخصية مضيف كريم يدرك أن الضيافة خلق قبل أن تكون مظهرا وأن الترحيب الصادق هو أجمل ما يقدمه الإنسان لضيوفه

ولعل ما ميز تلك الأمسية أنها لم تقتصر على كرم المائدة وإنما اتسعت لتكون مجلسا عامرا بالألفة وتبادل الأحاديث الهادفة التي تناولت شؤون المجتمع والثقافة والحياة واسترجعنا خلالها كثيرا من الذكريات الجميلة التي تؤكد أن أجمل اللحظات هي تلك التي يعيشها الإنسان مع أصحاب القلوب النقية حيث لا تكلف ولا تصنع وإنما عفوية صادقة تمنح اللقاء قيمته الحقيقية

لقد أدركت مرة أخرى أن المجالس الراقية لا تصنعها فخامة المكان ولا وفرة الإمكانات وإنما يصنعها الرجال الذين يحملون في نفوسهم صفاء النية وطيب المعشر فالإنسان قد ينسى كثيرا مما قدم له على المائدة لكنه لا ينسى أبدا شعوره بالترحيب والاحترام ولا ينسى مجلسا غادره وهو يحمل في قلبه امتنانا صادقا لصاحبه

إن مجتمعنا لا يزال بخير ما دامت مثل هذه المجالس قائمة وما دام هناك رجال يؤمنون بأن صلة الرحم وتوثيق العلاقات الاجتماعية وتقدير الأصدقاء والأحبة جزء أصيل من منظومة القيم التي تربينا عليها وهي قيم تستحق أن نحافظ عليها وأن نورثها للأجيال القادمة لأنها تمثل أحد أهم أسباب تماسك المجتمع وقوته

لقد كانت هذه الأمسية نموذجا لما ينبغي أن تكون عليه اللقاءات الاجتماعية التي تجمع بين أصالة الماضي وروح الحاضر وتؤكد أن الكرم ليس عادة تمارس في المناسبات فحسب بل هو أسلوب حياة يعكس معدن الإنسان ويكشف عن سمو أخلاقه وصدق مشاعره

وإذا كانت المجالس تصنع الذكريات فإن الرجال هم من يمنحونها قيمتها ويتركون فيها بصمتهم الجميلة وهذا ما وجدناه في الأخ العزيز مصطفى الهاشم الذي أحاط ضيوفه بكل مظاهر الحفاوة والتقدير فاستحق الشكر والثناء والدعاء الصادق بأن يديم الله عليه نعمه وأن يبارك له في أهله وماله وأن تبقى داره عامرة بالمحبة والخير وأن يديم بين الجميع أواصر الأخوة والوفاء

ويبقى أجمل ما خرجنا به من تلك الليلة أن العلاقات الإنسانية الصادقة هي الثروة التي لا تقدر بثمن وأن المجالس التي تبنى على الاحترام والمودة تظل حاضرة في الذاكرة مهما تعاقبت الأيام لأنها تصنع جسورا من المحبة بين الناس وتؤكد أن القيم الأصيلة لا تزال تنبض في مجتمعنا وستبقى بإذن الله إرثا نفخر به ونحافظ عليه

————————

للتواصل مع الكاتب

X: @AtifAlaswad

Email: atif@alaswad.uk

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top