المقهى… آخر ما تبقى من الحضارة!

هناك نظرية تستحق أن تُدرَّس في الجامعات تقول إن المقهى لم يعد مكانًا لشرب القهوة بل أصبح كائنًا متعدد الاستخدامات يؤدي مهامًا لم تخطر حتى على بال مؤسسه الأول

فإذا كنت تعتقد أن الناس يذهبون إلى المقهى من أجل القهوة فأنت غالبًا ما زلت تعيش في عام 2005

دخلت أحد المقاهي باحثةً عن جرعة كافيين تعيد الحياة إلى ما تبقى من خلاياي العصبية لكنني وجدت نفسي داخل نسخة مصغرة من العالم
في الزاوية الأولى مكتب هندسي متكامل وفي الثانية استوديو تصوير وفي الثالثة حضانة أطفال تعمل بنظام الخدمة الذاتية أما القهوة… فهي تقف في المنتصف حائرة تتساءل عن سبب وجودها أصلًا أول شخصية تقابلكهي موظف المقهى هذا الرجل لا تعرف أين يعمل لكنك تعرف جيدًا أنه يعمل من المقهى يصل قبل الموظفين…
ويغادر بعد إغلاق المحل…ويجلس أمام لابتوبه بتركيز يجعلك تظن أن ميزانية دولة كاملة تنتظر ضغطة زر منه والغريب أنه لا يطلب إلا كوب قهوة واحدًا
كوب واحد فقط…لكنه يستهلك من الكهرباء ما يكفي لإحياء بطارية سفينة فضائية بل إن السؤال الأول الذي يطرحه ليس:ما أفضل قهوة لديكم؟ وإنما:وين أقرب فيش؟
وأكاد أجزم أن بعضهم لو وجد مقهى بلا مقابس كهرباء، لاعتبره مكانًا غير صالح للحياة ثم تأتي الفئة التي تؤمن أن القهوة لا تُشرب…بل تُوثَّق وهؤلاء لا يطلبون القهوة إلا بعد أن تكون كاميراتهم قد شحنت بالكامل
يصل الفنجان ساخنًا…ثم تبدأ رحلة العذاب من الأعلى ومن الأسفل ومن اليمين ومن اليسارومع الكتاب ومع النظارة ومع المفاتيح ومع الساعة ثم تُعاد الصور كلها لأن لون الرغوة لم يكن “مزاجيًا” بما يكفي!
وفي النهاية تصبح القهوة باردة…لكنها بالمقابل حصدت آلاف المشاهدات وربما أصبحت أشهر من صاحبها نفسه وأتساءل أحيانًا:هل القهوة تشعر بالإهانة حين تُلتقط لها خمسون صورة ثم تُشرب باردة دون حتى كلمة شكر؟
ثم تأتي الأسرة الكريمة…ومعها الطفل الذي يرى المقهى بالطريقة الوحيدة التي يفهمها الأطفال…مساحة مفتوحة للركض وللصراخ ينطلق بين الطاولات بسرعة لاعب نهائي كأس العالم يصطدم بكرسي هنا…ويلمس كوبًا هناك…ويختبر قدرة النادل على الجري… وقدرة الهاربين والباحثين عن مساحات هادئة وبينما الجميع يتابع المشهد والأم ما زالت تبحث عن الفلتر المناسب لصورة اللاتيه ويديها وساعتها وشنطتها
والطفل في الحقيقة ليس المخطئ إنه يمارس طفولته لكننا نحن الذين قررنا أن نحول كل مكان إلى مكان يصلح لكل شيء.
وهكذا أصبح المقهى مكتبًا…واستوديو…
وقاعة اجتماعات…وفصلًا دراسيًا… وغرفة اجتماعات عبر الإنترنت…ومركزًا لشحن الأجهزة…وصالة ألعاب أطفال…
ولم يبقَ له إلا أن يصبح فرعًا للأحوال المدنية! يا سادة…القهوة خُلقت لتُشرب وهي ساخنة والجلسة خُلقت لتجمع الأصدقاء والمقهى خُلق لنسرق من ضجيج الحياة ساعة هادئة…لا لننقل إليه الضجيج كله أعلم أن الحياة تغيرت وأن طبيعة العمل اختلفت وأن الهواتف والكاميرات أصبحت جزءًا من يومنا لكن ربما نحتاج أحيانًا أن نتذكر شيئًا بسيطًا جدًا…أن نعيش اللحظة قبل أن نصورها وأن نتحدث قبل أن ننش روأن نتذوق القهوة قبل أن نكتب تحتها صباح السعادة
فالسعادة في الغالب كانت تتصاعد مع بخار القهوة…ثم بردت… ونحن ما زلنا نبحث عن الزاوية المناسبة للصورة أما اليوم…
فقد أصبح الحصول على طاولة أصعب من الحصول على موعد والقهوة تشيخ قبل أن تُشرب والهدوء أصبح مشروبًا غير متوفر في قائمة الطلبات وفي الختام…إذا دخلت المقهى فوجدت رجلًا يبحث عن مقبس كهرباء أكثر من بحثه عن قائمة المشروبات وآخر يقيم جلسة تصوير لفنجان قهوة وطفلًا يركض بين الطاولات وكأنه في مهمة لا تحتمل التأجيل…فاطمئن أنت في مقهى معاصرأما إذا وجدت شخصًا يحتسي قهوته وهي ساخنة يبتسم لمن معه ثم يغادر دون أن يلتقط صورة واحدة…فلا تنظر إليه باستغراب…بل سلّم عليه فقد يكون آخر إنسان ما زال يعيش اللحظة… بدل أن يعيشها عبر الشاشة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top