“نحن الذين اختبأنا خلف الحكاية”

بقلم عبد المحسن الشقاق

حين استعارت الحقيقة وجه الخيال

دعونا نعترف بها هذه المرة دون مواربة…

نحن كاذبون…!

نحن الذين نكتب ثم نقول هذه رواية وهذه فنتازيا وهذه قصة خيالية وهذه شخصية لا وجود لها وهذا كله من خيال الكاتب الخصب.

ثم نغلق الصفحة ونمضي وكأن شيئا لم يحدث

لكن أي خيال هذا الذي يعرف مواضع وجعنا بهذه الدقة؟

وأي فنتازيا تلك التي تحفظ أسماء الذين كسرونا؟

وأي شخصية خيالية تستطيع أن تبكي بالطريقة التي عجزنا نحن عن البكاء بها؟

ربما لأن الإنسان حين يعجز عن قول الحقيقة يبحث لها عن وجه آخر…

وهنا ولدت الحكاية.

لم نخلق الشخصيات دائما لأننا نملك عالما نريد أن نحكيه

أحيانا خلقناها لأن في داخلنا أشياء أثقل من أن تحملها أسماؤنا

فأعطيناها أسماء أخرى

ألبسناها أعمارا لا تخصنا

منحناها ماضيا وحاضرا ومستقبلا

ثم وضعنا في صدورها شيئا من قلوبنا

ومضينا نراقبها وهي تقول عنا ما عجزنا عن قوله بأنفسنا

نجعلها تحب حين نعجز عن الاعتراف بالحب

وتكره حين يكون الكره أثقل من أن تحمله أفواهنا

وتنتقم ممن كسر شيئا في داخلنا ولم نستطع الوصول إليه

وتغادر حين نعجز عن الرحيل

وتبكي حين يصبح البكاء بالنسبة لنا اعترافا بالهزيمة

ثم نقول بكل برود:

إنها مجرد شخصية خيالية.

أي كذبة أكثر أناقة من هذه؟

نحن لا نختبئ خلف الحكاية خوفا من أن يعرف الآخرون أننا نكتب عنهم

نحن نختبئ خلفها خوفا من أن يعرف الآخرون أننا نكتب عن أنفسنا

وهنا تصبح الرواية شيئا آخر

غرفة سرية لها باب من ورق

يدخلها الكاتب وحده

يترك خلف الباب اسمه الحقيقي

ووجهه الحقيقي

وكل ما عجز عن حمله أمام الناس

ثم يخرج بشخصية أخرى ويقول:

هذه هي

أما أنا فلا علاقة لي بها

وهكذا تنجو الحقيقة

تتخفى في ثوب الخيال

تستعير اسما آخر

وتجلس بين مئات الصفحات دون أن يجرؤ أحد على سؤالها

من أين جئت؟

والأمر لا يخص الرواية وحدها

الخاطرة تفعل ذلك

الاقصوصة تفعل ذلك

القصيدة تفعل ذلك

حتى تلك الجملة القصيرة التي كتبناها ذات ليلة ثم قلنا إنها مجرد كلمات

قد تكون في حقيقتها أكثر ما اعترفنا به طوال حياتنا

كم مرة كتبنا عن شخص وقلنا إنه من الخيال؟

وكم مرة كتبنا عن وجع وقلنا إنه مجرد فكرة؟

وكم مرة قتلنا شخصية على الورق لأن شيئا في داخلنا كان يحتاج إلى جنازة؟

وكم مرة جعلنا أحدهم يعود في النهاية لأننا نحن الذين كنا نتمنى عودته؟

نحن نمنح الشخصية اسما

حتى نستطيع أن ننادي جرحنا دون أن يلتفت إلينا أحد

وهذه واحدة من أكثر الحيل الإنسانية دهاء

أن تقول الحقيقة كاملة

ثم تضع في آخرها كلمة

خيال

لكن الحقيقة لا تفقد حقيقتها لأنها ارتدت قناع الخيال

والجرح لا يفقد وجعه لأن صاحبه وضعه في رواية

والحنين لا يتوقف عن النزيف لأننا منحناه اسما لشخصية

والكاتب حين يقول لك إن ما تقرأه لا يمت إلى الواقع بصلة

قد يكون قد منحك للتو أقرب طريق إلى واقعه

فبعض الحقائق حين تظهر عارية تصبح اعترافا

وحين ترتدي الحكاية تستطيع أن تعبر من بين الناس دون أن يوقفها أحد

ولهذا ربما لم يكن الخيال يوما خصما للحقيقة

ربما كان ملجأها الأخير

المكان الذي استطاعت فيه الحقيقة أن تنجو من أفواهنا

لكن الحكاية لا تتوقف عند الكاتب

فأنت أيضا عزيزي القارىء تختبئ خلفها..

حين تقرأ شخصية وتشعر أنها تشبهك حد الوجع

حين تجد في سطر واحد شيئا عجزت عن قوله طوال سنوات

حين تغضب من شخصية لأنك تعرفها أكثر مما ينبغي

حين تكره شريرا لأنه لمس شيئا تعرفه في داخلك

وحين تبكي على نهاية شخص لم يوجد أصلا

ربما لم تكن تبكي عليه

ربما كنت تبكي على شيء فيك

وهنا يصبح الأدب مرآة

لا تسألك إن كنت مستعدا لرؤية وجهك

هي فقط تريك إياه

ولهذا ربما كان أخطر ما في الروايات ما تفعله بنا بعد أن نغلقها

تترك في داخلنا سؤالا لا تستطيع الصفحة الأخيرة أن تجيب عنه

فحين تجد نفسك في شخصية داخل رواية

من كان يكتب من؟

الكاتب عن الشخصية؟

أم الشخصية عن الكاتب؟

أم أنك أنت الذي وجدت نفسك بين السطور دون أن يدعوك أحد؟

ربما لهذا نحن الذين اختبأنا خلف الحكاية

الكاتب اختبأ خلف شخصياته

والقارئ اختبأ خلف مشاعره

والحقيقة اختبأت خلف الخيال

ثم جلس الجميع في الجهة الأخرى من الصفحة

يتظاهرون أن شيئا لم يحدث

فهل كانت الحكاية كذبة؟

أم أننا احتجنا إلى الحكاية حتى نستطيع قول الحقيقة؟

وربما السؤال الأكثر إزعاجا ليس كيف نكتب ما نعجز عن قوله

السؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحا هو

كم حقيقة في حياتنا ما زلنا نسميها خيالا حتى لا نضطر إلى مواجهتها؟

بقلم عبدالمحسن إبراهيم الشقاق
للتواصل على صفحتي في الانستغرام:
Abdalmohsen.ebrahhem
عبدالمحسن الشقاق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top