حين تصبح سهولة الوصول مجرد لافتة: من يسمع صوت الأشخاص ذوي الإعاقة؟

بقلم: تهاني الحربي

أتحدث هنا من موقع التجربة، لا من موقع التنظير.

حين يكون الحديث عن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، تتكرر كلمات جميلة نسمعها كثيرًا: التمكين، الدمج، سهولة الوصول، تكافؤ الفرص، وتهيئة بيئات العمل.

لكن السؤال الذي أعتقد أننا بحاجة إلى طرحه بصدق أكبر هو:

ماذا يحدث عندما يطلب الشخص ذو الإعاقة حقه فعلًا؟ ومن يستمع إليه عندما تتحول الكلمات إلى حاجة يومية ملموسة؟

خلال تجربتي المهنية، واجهت مشكلة تتعلق بتهيئة بيئة العمل بما يتناسب مع احتياجاتي، ورفعت الأمر عبر القنوات المعنية داخل جهة عملي، إلا أن التعديلات التي كنت أحتاج إليها لم تُوفّر بالشكل الذي يمكنني من ممارسة عملي بأمان واستقلالية.

ولم يكن الأمر بالنسبة لي رفاهية أو بحثًا عن معاملة خاصة.

كنت أطلب أن تكون بيئة العمل قابلة للاستخدام بالنسبة لي، كما هي قابلة للاستخدام لزملائي.

وفي مرحلة من مراحل بحثي عن المساعدة، تواصلت مع شخصية تحمل صفة استشارية في جهة معنية بذوي الإعاقة، وشرحت لها ما أواجهه، وطلبت التوجيه بشأن سهولة الوصول وتهيئة القسم الذي أعمل فيه.

كنت أتوقع، على الأقل، أن أجد شخصًا يقول لي: هذه حقوقك، وهذه الجهة التي يمكنك اللجوء إليها، وهذه آلية تقديم الشكوى، وهذه الخطوات التي يمكنك اتباعها.

لكن ما تلقيته لم يكن بالمستوى الذي كنت أحتاج إليه كشخص يعيش المشكلة على أرض الواقع.

وهنا بدأت أتساءل:

إذا كان الشخص ذو الإعاقة لا يعرف إلى أين يتجه عندما يواجه عائقًا في الوصول، ولا يجد لدى الجهة المعنية إجابة عملية واضحة، فمن يفترض أن يرشده؟

المفارقة أن الحديث الرسمي في المملكة اليوم أكثر وضوحًا من أي وقت مضى بشأن أهمية التهيئة.

فوزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية توضح أن الترتيبات والخدمات التيسيرية للأشخاص ذوي الإعاقة قد تشمل التعديلات الهندسية ومواءمة ظروف وبيئة العمل وفق المعايير المعتمدة، كما تؤكد برامجها المتعلقة بتهيئة بيئات العمل أهمية الوصول إلى موقع العمل والمرافق والممرات والأدوات والتجهيزات المساعدة.

بل إن دليل الامتثال يضع ضمن ما ينبغي التحقق منه: أن تكون طريقة الدخول والخروج آمنة ومتناسبة مع نوع الإعاقة، وأن تتوفر المسارات المناسبة والمصاعد والتجهيزات اللازمة، وأن يتم أخذ احتياجات العاملين من الأشخاص ذوي الإعاقة في الاعتبار.

إذن المشكلة ليست في غياب المصطلحات أو الأدلة.

المشكلة تبدأ عندما ننتقل من الورق إلى الواقع.

فسهولة الوصول ليست أن نضع لوحة عليها رمز الكرسي المتحرك.

وليست أن نضيف قضيبًا معدنيًا في دورة مياه ثم نقول: «تم تجهيزها».

وليست أن نبني منحدرًا شديد الانحدار قد يجعل مستخدم الكرسي المتحرك أو العربة في خطر حقيقي عند الصعود أو النزول.

وليست أن يكون باب دورة المياه مهيأً بطريقة تجعل فتحه أو إغلاقه تحديًا للشخص الذي يستخدم الكرسي أو العكاز.

الوصول الشامل ليس وجود شيء يبدو مهيأً في الصورة؛ الوصول الشامل هو أن يستطيع الشخص استخدامه فعلًا، بأمان، واستقلالية، وكرامة.

وهذه نقطة يجب أن نتوقف عندها طويلًا.

لأن المبنى قد ينجح في اجتياز قائمة تحقق، بينما يفشل الإنسان في استخدامه.

قد تكون هناك منحدرات، لكنها غير عملية.

قد توجد دورات مياه مخصصة، لكنها غير قابلة للاستخدام بالشكل الصحيح.

قد توجد مواقف مخصصة، لكنها بعيدة أو محاطة بعوائق.

وقد توجد بيئة عمل «تبدو» مهيأة، لكن الموظف ذو الإعاقة هو الشخص الوحيد الذي يعرف أنها ليست كذلك.

وهنا يظهر سؤال آخر أكثر حساسية:

هل يكفي أن نتحدث عن الأشخاص ذوي الإعاقة من دون أن نسمع منهم؟

لا أقول إن كل موظف أو مستشار في الجهات المعنية بالأشخاص ذوي الإعاقة يجب أن يكون شخصًا ذا إعاقة، فهذا تبسيط غير صحيح. الكفاءة والخبرة والتخصص أمور أساسية.

لكن عندما تكون القضية قائمة على تجربة إنسانية يومية، فإن إشراك الأشخاص الذين يعيشون هذه التجربة في صناعة القرار، والتقييم، والرصد، والاستشارة، ليس ترفًا.

إنه جزء من جودة القرار نفسه.

الشخص الذي يستخدم الكرسي المتحرك يعرف تفاصيل قد لا تظهر في تقرير هندسي.

والشخص الذي يستخدم العكاز يعرف أن سنتيمترات قليلة أو زاوية خاطئة قد تعني فرقًا بين طريق آمن وسقوط.

والشخص الذي يعيش الإعاقة في مكان العمل يعرف أن المشكلة ليست دائمًا في المبنى وحده، بل في الإجراءات، وطريقة التعامل، والمرونة، وفهم احتياجات الموظف.

نحن لا نحتاج فقط إلى من يتحدث عن الأشخاص ذوي الإعاقة، بل إلى منظومة تضمن أن أصواتهم تصل إلى المكان الذي تُتخذ فيه القرارات.

ومن المفارقات التي عشتها شخصيًا أنني، في الوقت الذي كنت أبحث فيه عن حل لمشكلة سهولة الوصول في بيئة عملي، وصلتني لاحقًا رسائل تتحدث عن رصد مخالفات في جهات مختلفة.

وهنا لم أستطع إلا أن أسأل:

إذا كانت هناك جهات ترصد المخالفات، فهل توجد آلية فعالة أيضًا لرصد الشكاوى التي يقدمها الأشخاص ذوو الإعاقة أنفسهم؟

وهل يتم الرجوع إلى الشخص الذي تقدم بالشكوى وسؤاله: هل حُلّت المشكلة فعلًا؟ هل أصبحت البيئة قابلة للاستخدام؟ هل تستطيع الآن أداء عملك بأمان؟

أم أن نجاح المعالجة يُقاس بمجرد إجراء تم اتخاذه على الورق؟

أنا شخصيًا انتهت تجربتي المهنية بالاستقالة، وكان عدم تهيئة بيئة العمل بما يتناسب مع وضعي واحتياجاتي أحد الأسباب التي دفعتني إلى ذلك.

وهنا تكمن المفارقة المؤلمة:

الشخص الذي يفترض أن يتم تمكينه للبقاء في سوق العمل قد يجد نفسه خارج سوق العمل لأن البيئة لم تُمكّنه من البقاء.

وهذا يتعارض مع الهدف الذي تسعى إليه المملكة في تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة وتعزيز مشاركتهم في سوق العمل. فوزارة الموارد البشرية تشير صراحة إلى أهمية التسهيلات والأدوات وتهيئة بيئات العمل المناسبة، وإلى وجود برامج ومعايير لتقييم جاهزية المنشآت لذلك.

كما أن كود البناء السعودي يتضمن ضمن أهدافه ومتطلباته تمكين الوصول للأشخاص ذوي الإعاقة، ما يعني أن الوصول الشامل ليس فكرة تجميلية، وإنما جزء من منظومة السلامة والتنظيم العمراني.

لذلك، ربما آن الأوان لأن ننتقل من سؤال:

«هل يوجد تجهيز للأشخاص ذوي الإعاقة؟»

إلى سؤال أكثر دقة:

«هل يستطيع الشخص ذو الإعاقة استخدام هذا التجهيز بأمان واستقلالية وكرامة؟»

والفرق بين السؤالين كبير جدًا.

نحن لا نحتاج إلى مزيد من الصور التي تظهر أبوابًا عليها رموز الوصول الشامل.

نحتاج إلى أبواب تُفتح فعلًا.

ولا نحتاج إلى منحدر موجود فقط لإكمال المشهد.

نحتاج إلى منحدر آمن يمكن الصعود والنزول منه دون خوف من انقلاب كرسي أو سقوط شخص.

ولا نحتاج إلى دورات مياه تحمل مسمى «مهيأة».

نحتاج إلى دورة مياه يستطيع الشخص استخدامها دون أن يطلب مساعدة من أحد.

ولا نحتاج إلى مؤسسات تتحدث باسم الأشخاص ذوي الإعاقة فقط.

نحتاج إلى مؤسسات تسمعهم، وتشركهم، وتحاسب، وتتابع، وتقيس النتيجة من منظور الشخص الذي سيستخدم الخدمة أو المكان.

هذه ليست دعوة لإقصاء غير ذوي الإعاقة.

بل هي دعوة إلى ألا يكون الشخص ذو الإعاقة آخر من يُستشار في قضية تخص حياته.

لقد قطعت المملكة خطوات مهمة في التشريعات والبرامج والمبادرات المتعلقة بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. ونظام حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة نفسه يتضمن الحقوق والخدمات والمخالفات والعقوبات، وهو ما يعكس انتقال الملف من إطار الرعاية إلى إطار الحقوق.

لكن الحقوق لا تكتمل عندما تُكتب.

الحقوق تكتمل عندما يستطيع صاحبها أن يعيشها.

ولهذا أطرح السؤال، ليس باسمي وحدي:

من يسمع الأشخاص ذوي الإعاقة عندما يقولون: هذا المكان غير مهيأ؟

ومن يذهب ليرى المشكلة كما نعيشها نحن، لا كما تبدو في التقرير؟

ومن يراجع الحل بعد تنفيذه ليسأل: هل أصبح الوصول ممكنًا فعلًا؟

ومن يضمن ألا يضطر موظف ذو إعاقة إلى ترك وظيفته لأن بيئة العمل لم تكن قادرة على استيعابه؟

ربما يكون الوقت قد حان لنعيد تعريف «التمكين».

فالتمكين ليس أن نفتح الباب ثم نقول للشخص ذي الإعاقة: تفضل بالدخول.

التمكين أن نتأكد أولًا أن الباب يُفتح له فعلًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top