بين معنى المهنة وفوضى اللقب!

بقلم/ أمل حسين المولد

كانت كلمة «كوتش» في بدايتها عربةً تحمل المسافر من مكان يقف فيه إلى وجهة يريد بلوغها.

لم تكن العربة تختار للمسافر طريقه ، ولا تسأله لماذا تأخر ، ولا تدّعي أنها صاحبة الرحلة ؛ كانت وسيلةً للعبور ، تمنحه مساحةً آمنة ، وتساعده على تقليل المسافة بين واقعه ووجهته ، ومع مرور الزمن ، غادرت الكلمة طرقات المجر ، وانتقلت إلى قاعات التعليم وملاعب الرياضة ، ثم دخلت عالم القيادة والعمل والحياة ، بقي جوهرها واحدًا: مساعدة شخص على الانتقال من موقعه الحالي إلى موقع يختاره بوعي ومسؤولية.

لكن الكلمة حين اتسع حضورها ، حملها كثيرون إلى طرق مختلفة ؛ فاختلطت العربة بالمنصة ، والسؤال بالنصيحة ، والشراكة بالوصاية ، والكوتشنج بالتدريب والاستشارة والتحفيز والعلاج النفسي.

لم تفقد المهنة معناها ، لكن اللقب أصبح أوسع من الممارسة ، ومن هنا تبدأ رحلتنا بين جانبين: (معنى مهني يستحق أن يُفهم ، ولقب شائع يحتاج إلى أن يستعيد حدوده) ، فما الكوتشنج؟ ومن هو الكوتش الحقيقي؟ وما الذي يجعل الجلسة رحلةً نحو استقلال العميل ، لا طريقًا يزيد تعلّقه بمن يقوده؟

الكوتشنج ليس عربةً ينام فيها العميل حتى يصل ، بل رحلة يكون فيها حاضرًا ، يقرأ الطريق ، ويختار وجهته ، ويتحمل مسؤولية خطواته ، وفي معايير المهنة .. لا تكفي تسمية المركبة حتى تصبح صالحةً للرحلة ؛ فلا بد من وجهة واضحة ، واتفاق يحفظ الحقوق ، وأمان يصون ما يُقال ، وممارس يعرف حدود الطريق.

فوضى اللقب بدأت عندما أصبح بعضهم يبيع للمسافر وجهةً لم يخترها ، أو يعده بطريقٍ بلا تعب ، أو يجعله يعتقد أنه لن يصل إلا إذا بقي متعلقًا بعربته.|

الكوتشنج الحقيقي لا يسلب العميل مقود حياته ، ولا يرسم له وجهةً تشبه الكوتش أكثر مما تشبهه ، بل إنه يفتح أمامه مساحةً للرؤية ، ويساعده على قراءة واقعه ، واكتشاف خياراته ، وتحويل وعيه إلى قرار وخطوة ، ولهذا لا يُقاس الكوتش الحقيقي بعدد المعجبين به ، ولا بكثرة الألقاب التي تسبق اسمه ، بل بالأثر الذي يبقى بعد انتهاء الجلسات مثلا: (هل أصبح العميل أوضح رؤيةً ، وأكثر استقلالًا ، وأقدر على قيادة نفسه؟) ، فإذا تحقق ذلك ، فقد حضرت المهنة واستحق اللقب معناه.

أما إذا أصبح العميل أكثر تعلقًا بالكوتش ، ينتظر منه الإجابة والقرار في كل مرة ، فقد بقيت العربة تدور به ، لكنها لم تساعده على الوصول ، فالكوتش الحقيقي لا يصنع مسافرين دائمين في عربته ؛ بل يساعد كل مسافر على أن يعرف وجهته ، ويثق بخطوته ، ثم يواصل طريقه بنفسه.

الكوتش الحقيقي لا يحمل المسافر إلى وجهته ؛ بل يوقظ في داخله البوصلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top