أمي.. درسي الأول في فهم البشر

بقلم سجى ال رحمة

منذ صغري، كنت رفيقة والدتي في زياراتها لصديقاتها، وفي محيطها الاجتماعي الكبير، كنت أختبئ بخجل الطفلة خلفها، وأستمع إلى أحاديثها وسردها للقصص بشكل ساحر، لطيف وخفيف على القلب.

وكنت أسأل نفسي آنذاك: كيف لوالدتي أن تحمل كل هذا الحب للناس؟

كيف لها أن تتذكر أسماء هذه الشريحة الكبيرة من البشر والصديقات؟ لا بل أن تتذكر تفاصيل حكاياتهم، وأسماء أولادهم، وما يحبون وما يكرهون، وما قيل في لقاء مضى عليه زمن؟

كانت والدتي منذ ذلك الوقت، نقطة مذهلة تتشابك حولها تساؤلاتي عن الحياة، تساؤلات بدأت مبكراً وأنا طفلة، ثم كبرت معي كلما كبرت.

كنت أتساءل عن حجم قلبها الحنون الذي يستطيع أن يحوي كل من تعرف، كيف لها أن تحب الجميع، وتغدق عليهم بهذا الحب بلا بخل ولا تردد؟

كنت أتأمل ابتسامة محياها وبريق عينيها وهي تلتقي بصديقاتها وتفتح ذراعيها مرحبة بهن، كنت أضيع في نبع الحياة المنبثق من وجهها نحو الآخرين، وأراقب كيف يمكن لإنسان أن يجعل الآخر يشعر، في لحظة قصيرة، أنه شخص عزيز وجدير بكل هذا الاحتفاء.

منذ عمر مبكر كنت أنتبه لتفاصيل التواصل الاجتماعي : تفاصيل الحديث والضحك والابتسامة وطريقة التعامل مع الآخرين. كانت تلفتني ملامح الناس أثناء الحديث: كيف للعيون أن تتحدث؟ وكيف للابتسامة أن تحكي أكثر مما يقوله الكلام؟ وكيف لنبرة الصوت أن تقول شيئاً أعمق مما نسمع؟ وكيف تستطيع لغة الجسد أن تخبرنا بالكثير دون أن تنطق بحرف واحد؟

لم أكن أعرف اسماً لكل هذه الممارسات والملاحظات، كنت أظنها مجرد إشارات صغيرة يتبادلها الناس أثناء الحديث والتعامل، حتى عرفت لاحقاً أن جانباً كبيراً مما كنت أراقبه طوال تلك السنوات له اسم: «الذكاء الاجتماعي».

كانت والدتي هي من وضعتني على بداية هذا الطريق، وتتلمذت على يديها، ومن تعاملاتها مع الآخرين أخذت أحسن الدروس.

لم تكن تعلمني بالتلقين، كانت تعلمني بالمشاهدة، بالاقتداء، وبالقصص وبالاحتذاء: كيف أتحدث، وكيف أستمع، ومتى أصمت، وكيف أختار كلماتي، لم تقدم لي المعلومة على أطباق جاهزة للمضغ، البتة.

منذ صغري كانت تُسمعني كلمات وأحاديث أكبر من عمري، وأعي اليوم أنها كانت تزرع في داخلي حديقة من الورود.

كثيرًا ما كنت أتأملها بتمعن، وأعجب في داخلي بمهاراتها في الحديث، وبانسياب المحادثة بينها وبين الأطراف الأخرى بكل سلاسة وعذوبة، كانت تنتقي الأجمل فتقوله، والألطف فتخبر به، والأسعد فتحف به الجلسة بهالة من البهجة.

وفي المقابل، كانت تعرف جيداً أين تتوقف، كانت تتجنب ممازحة الناس فيما يخافون منه، أو فيما يحزنهم، ولا تجعل من مواطن ضعفهم مادة للضحك، حتى وإن ضحك الجميع.

لا أعرف كيف كانت تتقن ذلك، ولكن لعمري لم أرها تتعمد إحزان أحد.

أعتقد اليوم أنها كانت تزن كلماتها بميزان شديد الحساسية، تعرف أن للكلمة وزناً وأن ما يبدو عابراً بالنسبة لنا قد يبقى طويلًا في قلب شخص آخر.

أتذكر مرة، عندما كنت في المرحلة الثانوية، أنني رافقت والدتي إلى حفل زواج، أتت سيدة لتلقي السلام عليها، وبعد حديث قصير التفتت إليّ وسألت والدتي عني وعن اسمي، وحين عرفت أنني ابنتها نظرت إليّ وسألتني:

«هل تمتلكين مهارات والدتك الاجتماعية؟»

يا الله..

ظل السؤال يومها يرن في أذني..

إذن، مهارات والدتي الاجتماعية كانت موضع ملاحظة من الجميع، ولست أنا وحدي من كان يراها.

كبرت، وكبر معي اهتمامي بهذا الموضوع، عرفت لاحقاً أن الذكاء ليس قالباً واحداً كما كنا نظن صغاراً، وأن براعة الإنسان لا تُختصر في قدرته على الحفظ أو الحساب أو التحصيل العلمي وحده، هناك مساحات أخرى يظهر فيها ذكاؤنا، ومن أكثرها التصاقاً بحياتنا اليومية قدرتنا على فهم الآخرين، وقراءة المواقف، والتقاط ما لا يُقال، واختيار الطريقة المناسبة للتواصل معهم.

فالذكاء الاجتماعي في أبسط صوره، ليس أن تكون كثير العلاقات، ولا أن تكون الشخص الأكثر حديثاً في المجلس، ولا أن تعرف كيف تلفت الأنظار إليك، ربما يكون أعمق من ذلك بكثير.

أن تعرف كيف تجعل الإنسان أمامك يشعر بأنه مسموع، أن تنتبه لتغير نبرة صوته، وأن تفهم من صمته ما لم يستطع قوله، وأن تعرف متى تتحدث ومتى تترك للصمت مكانه، أن تختار كلماتك لا خوفاً من الناس، بل احتراماً لمشاعرهم.

وأن تدرك أن لكل إنسان باباً مختلفاً وما يفتح قلب أحدهم قد يغلق قلب آخر.

أظن أن الأشخاص الأذكياء اجتماعياً يمتلكون هذه الحساسية تجاه البشر، لا يتعاملون معهم ككتلة واحدة، ولا يستخدمون الوصفة ذاتها مع الجميع، إنهم يراقبون، يصغون، ويلتقطون تلك التفاصيل الصغيرة التي تمر على غيرهم مروراً عابراً.

والأجمل أن هذا النوع من الذكاء لا يُقاس بعدد الأشخاص الذين يعرفونك، بل بالأثر الذي تتركه في الأشخاص بعد أن تغادرهم.

هل شعروا بأنهم كانوا مرئيين في حضرتك؟

هل منحتهم مساحة آمنة ليكونوا على طبيعتهم؟

هل خرجوا من لقائك أخف قليلاً مما دخلوا إليه؟

ربما لهذا السبب ظل مشهد والدتي عالقاً في ذاكرتي طوال هذه السنوات.

لم تكن تعرف الناس فقط، بل كانت تعرف كيف تراهم، واليوم كلما تأملت علاقتنا بالآخرين، أدركت أن بعض أعظم المهارات التي نتعلمها في الحياة، نتعلمه ونحن أطفال، مختبئين بخجل خلف أمهاتنا، نراقب كيف يرحبن بالناس، وكيف ينصتن لحكاياتهم، وكيف ينتقين كلماتهن، وكيف يتركن في قلب كل من يمر بهن شيئاً طيباً

كنت أظن يومها أنني فقط أرافق أمي في زياراتها.

ولم أكن أعرف أنني، في الحقيقة، كنت أحضر أول دروسي في فهم البشر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top