إتيكيت التفكير

بقلم سجى ال رحمة

لا أذكر تماماً متى بدأ اهتمامي بمهارة الإتيكيت ، لكنني أستطيع أن أتتبع بعض خيوطه الأولى في مشاهد قديمة ظلت عالقة في ذاكرتي.

لربما كنت في أواخر المراحل الدراسية عندما بدأت أتابع بشغف المسلسلات والأفلام الأجنبية التي تدور أحداثها في أوساط الطبقات الأرستقراطية، وكان ثمة شيء يلفتني في تلك المشاهد أكثر من القصور الفخمة، والفساتين الأنيقة، والموائد الطويلة: كيف يتعلم هؤلاء الناس أن يتصرفوا بهذا الكم الرائع والكبير من اللباقة؟

كيف لهم أن يكونوا في قمة الترتيب والتهذيب؟

لم أكن أعرف آنذاك مسمّى لهذه الكياسة وتلك الذوقيات، لكن كانت تثير فضولي تلك العناية المفرطة بالتفاصيل، كيف يجلسون إلى المائدة، وكيف تُرتب أدوات الطعام أمامهم، ومتى يبدأ الحديث ومتى ينبغي للمرء أن يصمت، وكيف يقدّم شخصٌ شخصاً آخر، والطريقة التي يُستقبل بها الضيوف ويُودّعون، وحتى وضعية الجسد، ونبرة الصوت، ونظرة العين أثناء الحديث.

ربما من هناك بدأ فضولي تجاه عالم الإتيكيت.

كبر هذا الفضول معي، وتحول في مرحلة ما من مجرد متعة في ملاحظة هذه التفاصيل والذوقيات إلى رغبة حقيقية في معرفتها بشكل عميق.

بدأت أحضر دروساً عبر الإنترنت في فن الإتيكيت، حباً وفضولاً تجاه هذا العالم الغامض نوعاً ما، ووجدت نفسي أنتقل من درس عن آداب المائدة إلى آخر عن لغة الجسد، ومن قواعد التعارف والتقديم إلى آداب الحديث والإنصات، والتعامل مع الآخرين واحترام مساحاتهم الشخصية.

ثم شاهدت بعدها برنامج Mind Your Manners، الذي تقدمه خبيرة ومدربة الإتيكيت سارا جين هو، وأذكر أن أكثر ما استوقفني فيه لم يكن تلك القواعد الصغيرة التي لطالما أحببت معرفتها، بل الفكرة التي كانت تقف خلفها.

فالإتيكيت كما بدأت أفهمه، لم يكن محاولة لصناعة إنسان يعرف كيف يمسك فنجانه بالطريقة الصحيحة، أو أي شوكة يستخدم اولاً، بقدر ما كان تدريباً على شيء أكثر إنسانية:

أن ينتبه الإنسان إلى أثر حضوره في حضرة الآخرين.

كيف يتحدث دون أن يطغى، وينصت دون أن يتعجل، ويختلف دون أن يجرح، ويعرف أن للآخر مساحة وحدوداً ومشاعر ينبغي أن تُراعى، ومن هنا تغيرت الصورة الشائعة للإتيكيت في ذهني.

لم يعد بالنسبة لي مجموعة من القواعد التي تُمارس على الموائد الرسمية وفي المناسبات، ولا مجرد مظهر اجتماعي، بدأت أراه بصورة أعمق، نوعاً من الوعي بالذات، والوعي بالآخرين.

أن تنتبه، أن تترك مساحة، أن تكون يقظاً حين تكون في مكان عام، ألّا تحضر بجسدك فقط، بل أن يكون لحضورك معنى.

أن تعرف متى تتحدث، ومتى يكون الصمت أكثر لباقة، أن تتقن اختيار النبرة المناسبة لكل موقف، وأن تدرك أن لكل علاقة لغة خاصة بها.

فالشخصية التي تحضر بها حين تجلس مع جدك ليست ذاتها التي تحضر بها مع والديك، مع الأول تصبح أكثر إنصاتاً وهدوءاً، ومع والديك تتعلم كيف تحتوي خوفهما واهتمامهما الذي لا يبدو أنه يكبر في السن معك، فمهما أصبحت بالغاً راشداً ، يظل في داخلهما شيء يراك صغيراً.

وحين تجلس مع طفل، تنزل قليلًا إلى عالمه الصغير، وتصغي إلى أسئلته الفضولية عنك وعن الحياة، وتحاول أن ترى الأشياء للحظات من ارتفاع عينيه هو.

ربما هذه هي الفكرة التي أحبها في الإتيكيت: أن حسن التصرف ليس استعراضاً للرقي بقدر ما هو محاولة لجعل وجودنا أكثر خفة على الآخرين.

لكن هذا المعنى قادني إلى سؤال آخر ظل يتردد في ذهني:

إذا كنا نتعلم إتيكيت المائدة، وإتيكيت الحديث، وإتيكيت المجالس، ولغة الجسد، وآداب التعامل مع الآخرين… فماذا عن المكان الذي تبدأ منه كل هذه الأشياء أصلًا؟

ماذا عن عقولنا؟

هل يمكن أن يكون للتفكير ايضاً إتيكيت؟

لا أعرف إن كان هناك مصطلح بهذا الاسم، وربما اخترعته للتو، لكنني أحب أن أسميه: «إتيكيت التفكير».

تلك الآداب التي لا يراها أحد، ولا يمكن قياسها بطريقة جلوسنا، أو نبرة أصواتنا، وإنما تظهر في الطريقة التي نستقبل بها فكرة لا تشبه أفكارنا، وفي المساحة التي نمنحها لرأي يخالفنا قبل أن نصدر حكمنا عليه، وفي قدرتنا على أن نقول: «لا أعرف»، أو «ربما كنت مخطئاً»، أو حتى: «لم أفكر في الأمر بهذه الطريقة من قبل».

أن نستمع، لا لكي نبحث عن ثغرة نرد منها، بل لكي نفهم، أن نفصل بين اختلافنا مع الفكرة وحكمنا على صاحبها.

وأن ندرك أن تغيير الرأي أمام معرفة جديدة ليس هزيمة، تماماً كما أن التمسك بالرأي لمجرد أنه رأينا لا يُعد انتصاراً، ربما لهذا بدأت أعتقد أن أكثر أشكال الإتيكيت عمقاً هو ذلك الذي لا يشاهده أحد.

هناك، حيث تسبح الأفكار داخل عقولنا، ولا جمهور يراقبنا ولا قواعد مكتوبة تذكّرنا بما ينبغي فعله، هناك تظهر جودة أفكارنا فعلًا: كيف نستقبل ما لا يشبهنا؟ كيف نحاكم الآخرين في غيابهم؟ وكم من المساحة نتركها داخل عقولنا لاحتمال أننا لا نملك الصورة كاملة؟

فقد يتقن الإنسان آداب الحديث، لكنه لا يتقن آداب الاختلاف، وقد يعرف جيداً متى يصمت في مجلس، لكنه لا يعرف كيف يُسكت أحكامه المتعجلة، وقد يكون بالغ التهذيب في كلماته، بينما يمارس في داخله قسوة كاملة تجاه كل فكرة لا تشبهه.

ولعلنا انشغلنا طويلًا بتعلّم كيف نجلس إلى المائدة، وأين نضع المنديل، وكيف نمسك الشوكة والسكين بالطريقة الصحيحة، لكن ثمة مائدة أخرى نجلس إليها كل يوم، ولا يرانا حولها أحد: مائدة العقل.

هناك لا يهم كثيراً كيف نتصرف بكياسة، بل كيف نمسك بالفكرة ونتناولها، هل نقبض عليها حتى لا تفلت من يقيننا؟ أم نضعها أمامنا بهدوء، نتأملها، ونترك على الطاولة مكاناً لفكرة أخرى؟

ربما ذلك هو الإتيكيت الأصعب.

لا أذكر تماماً متى بدأ اهتمامي بمهارة الإتيكيت ، لكنني أستطيع أن أتتبع بعض خيوطه الأولى في مشاهد قديمة ظلت عالقة في ذاكرتي.

لربما كنت في أواخر المراحل الدراسية عندما بدأت أتابع بشغف المسلسلات والأفلام الأجنبية التي تدور أحداثها في أوساط الطبقات الأرستقراطية، وكان ثمة شيء يلفتني في تلك المشاهد أكثر من القصور الفخمة، والفساتين الأنيقة، والموائد الطويلة: كيف يتعلم هؤلاء الناس أن يتصرفوا بهذا الكم الرائع والكبير من اللباقة؟

كيف لهم أن يكونوا في قمة الترتيب والتهذيب؟

لم أكن أعرف آنذاك مسمّى لهذه الكياسة وتلك الذوقيات، لكن كانت تثير فضولي تلك العناية المفرطة بالتفاصيل، كيف يجلسون إلى المائدة، وكيف تُرتب أدوات الطعام أمامهم، ومتى يبدأ الحديث ومتى ينبغي للمرء أن يصمت، وكيف يقدّم شخصٌ شخصاً آخر، والطريقة التي يُستقبل بها الضيوف ويُودّعون، وحتى وضعية الجسد، ونبرة الصوت، ونظرة العين أثناء الحديث.

ربما من هناك بدأ فضولي تجاه عالم الإتيكيت.

كبر هذا الفضول معي، وتحول في مرحلة ما من مجرد متعة في ملاحظة هذه التفاصيل والذوقيات إلى رغبة حقيقية في معرفتها بشكل عميق.

بدأت أحضر دروساً عبر الإنترنت في فن الإتيكيت، حباً وفضولاً تجاه هذا العالم الغامض نوعاً ما، ووجدت نفسي أنتقل من درس عن آداب المائدة إلى آخر عن لغة الجسد، ومن قواعد التعارف والتقديم إلى آداب الحديث والإنصات، والتعامل مع الآخرين واحترام مساحاتهم الشخصية.

ثم شاهدت بعدها برنامج Mind Your Manners، الذي تقدمه خبيرة ومدربة الإتيكيت سارا جين هو، وأذكر أن أكثر ما استوقفني فيه لم يكن تلك القواعد الصغيرة التي لطالما أحببت معرفتها، بل الفكرة التي كانت تقف خلفها.

فالإتيكيت كما بدأت أفهمه، لم يكن محاولة لصناعة إنسان يعرف كيف يمسك فنجانه بالطريقة الصحيحة، أو أي شوكة يستخدم اولاً، بقدر ما كان تدريباً على شيء أكثر إنسانية:

أن ينتبه الإنسان إلى أثر حضوره في حضرة الآخرين.

كيف يتحدث دون أن يطغى، وينصت دون أن يتعجل، ويختلف دون أن يجرح، ويعرف أن للآخر مساحة وحدوداً ومشاعر ينبغي أن تُراعى، ومن هنا تغيرت الصورة الشائعة للإتيكيت في ذهني.

لم يعد بالنسبة لي مجموعة من القواعد التي تُمارس على الموائد الرسمية وفي المناسبات، ولا مجرد مظهر اجتماعي، بدأت أراه بصورة أعمق، نوعاً من الوعي بالذات، والوعي بالآخرين.

أن تنتبه، أن تترك مساحة، أن تكون يقظاً حين تكون في مكان عام، ألّا تحضر بجسدك فقط، بل أن يكون لحضورك معنى.

أن تعرف متى تتحدث، ومتى يكون الصمت أكثر لباقة، أن تتقن اختيار النبرة المناسبة لكل موقف، وأن تدرك أن لكل علاقة لغة خاصة بها.

فالشخصية التي تحضر بها حين تجلس مع جدك ليست ذاتها التي تحضر بها مع والديك، مع الأول تصبح أكثر إنصاتاً وهدوءاً، ومع والديك تتعلم كيف تحتوي خوفهما واهتمامهما الذي لا يبدو أنه يكبر في السن معك، فمهما أصبحت بالغاً راشداً ، يظل في داخلهما شيء يراك صغيراً.

وحين تجلس مع طفل، تنزل قليلًا إلى عالمه الصغير، وتصغي إلى أسئلته الفضولية عنك وعن الحياة، وتحاول أن ترى الأشياء للحظات من ارتفاع عينيه هو.

ربما هذه هي الفكرة التي أحبها في الإتيكيت: أن حسن التصرف ليس استعراضاً للرقي بقدر ما هو محاولة لجعل وجودنا أكثر خفة على الآخرين.

لكن هذا المعنى قادني إلى سؤال آخر ظل يتردد في ذهني:

إذا كنا نتعلم إتيكيت المائدة، وإتيكيت الحديث، وإتيكيت المجالس، ولغة الجسد، وآداب التعامل مع الآخرين… فماذا عن المكان الذي تبدأ منه كل هذه الأشياء أصلًا؟

ماذا عن عقولنا؟

هل يمكن أن يكون للتفكير ايضاً إتيكيت؟

لا أعرف إن كان هناك مصطلح بهذا الاسم، وربما اخترعته للتو، لكنني أحب أن أسميه: «إتيكيت التفكير».

تلك الآداب التي لا يراها أحد، ولا يمكن قياسها بطريقة جلوسنا، أو نبرة أصواتنا، وإنما تظهر في الطريقة التي نستقبل بها فكرة لا تشبه أفكارنا، وفي المساحة التي نمنحها لرأي يخالفنا قبل أن نصدر حكمنا عليه، وفي قدرتنا على أن نقول: «لا أعرف»، أو «ربما كنت مخطئاً»، أو حتى: «لم أفكر في الأمر بهذه الطريقة من قبل».

أن نستمع، لا لكي نبحث عن ثغرة نرد منها، بل لكي نفهم، أن نفصل بين اختلافنا مع الفكرة وحكمنا على صاحبها.

وأن ندرك أن تغيير الرأي أمام معرفة جديدة ليس هزيمة، تماماً كما أن التمسك بالرأي لمجرد أنه رأينا لا يُعد انتصاراً، ربما لهذا بدأت أعتقد أن أكثر أشكال الإتيكيت عمقاً هو ذلك الذي لا يشاهده أحد.

هناك، حيث تسبح الأفكار داخل عقولنا، ولا جمهور يراقبنا ولا قواعد مكتوبة تذكّرنا بما ينبغي فعله، هناك تظهر جودة أفكارنا فعلًا: كيف نستقبل ما لا يشبهنا؟ كيف نحاكم الآخرين في غيابهم؟ وكم من المساحة نتركها داخل عقولنا لاحتمال أننا لا نملك الصورة كاملة؟

فقد يتقن الإنسان آداب الحديث، لكنه لا يتقن آداب الاختلاف، وقد يعرف جيداً متى يصمت في مجلس، لكنه لا يعرف كيف يُسكت أحكامه المتعجلة، وقد يكون بالغ التهذيب في كلماته، بينما يمارس في داخله قسوة كاملة تجاه كل فكرة لا تشبهه.

ولعلنا انشغلنا طويلًا بتعلّم كيف نجلس إلى المائدة، وأين نضع المنديل، وكيف نمسك الشوكة والسكين بالطريقة الصحيحة، لكن ثمة مائدة أخرى نجلس إليها كل يوم، ولا يرانا حولها أحد: مائدة العقل.

هناك لا يهم كثيراً كيف نتصرف بكياسة، بل كيف نمسك بالفكرة ونتناولها، هل نقبض عليها حتى لا تفلت من يقيننا؟ أم نضعها أمامنا بهدوء، نتأملها، ونترك على الطاولة مكاناً لفكرة أخرى؟

ربما ذلك هو الإتيكيت الأصعب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top