القهوة.. حكاية كرمٍ لا نريد أن تتحول إلى عبء!

بقلم : نوال السعد

ما زالت رائحة القهوة العربية هي الرائحة التي تقول لك دون كلام: أهلًا.. تفضّل.

رائحةٌ تختصر حكاية وطن، وذاكرة بيت، ودفء مجلس، وكرم أجداد.

كانت القهوة في مجالسنا أكثر من مشروب؛ كانت طقسًا من طقوس المحبة والضيافة.
إذا فاحت رائحتها من بيتٍ، عرفنا أن فيه مجلسًا عامرًا، وأن هناك ضيفًا سيجد مكانه قبل أن يجد فنجانه.

كانت تُقدّم حبًا وواجبًا، ولا يُنتظر بعدها جزاء ولا مقابل.

وكما قال الشاعر:

يا كليب شبّ النار يا كليب شبّه
عليك شبّه والحطب لك يجابي

والقهوة اللي ما تِهون عذابها
والشاي اللي ما يِبرد فواحه

لكن.. يا لوجع المفارقة!

في اليوم العالمي للقهوة، نحتاج أن نسأل أنفسنا:
هل ما زالت القهوة تؤدي دورها الجميل في حياتنا، أم أن بعض صورها الجديدة بدأت تُحمّلها معنى آخر؟

لم تعد القهوة دائمًا في الدلّة والفنجال، بل أصبحت في كأسٍ ورقي يحمل اسمًا أجنبيًا، وقد يصل سعره إلى مبلغٍ كبير إذا أصبح عادة يومية.

وهنا لا نريد أن نقول للجيل الجديد: لا تشربوا قهوتكم كما تحبون.

بل نقول: استمتعوا بها، ولكن لا تجعلوا المتعة عبئًا، ولا تجعلوا المظهر معيارًا للقيمة.

فالإنسان لا يصبح أكثر أناقة لأن الكأس أغلى، ولا أكثر حضورًا لأن اسم المقهى أشهر.

الشياكة في الوعي قبل المظهر، والذوق في الاختيار قبل السعر.

لغة الأرقام تستحق أن نتوقف عندها

إذا كان فنجان القهوة بـ25 ريالًا، واشتُري يوميًا، فإن التكلفة تصل إلى نحو 750 ريالًا شهريًا، وحوالي 9,125 ريالًا سنويًا.

المشكلة ليست في فنجانٍ واحد.

المشكلة حين يتحول الفنجان إلى عادة لا نشعر بتكلفتها لأنها موزعة على أيام السنة.

وهنا يأتي دور الأسرة والمدرسة والمجتمع في تعليم أبنائنا ثقافة جميلة:

أن نستمتع بما نملك، دون أن نستهلك ما نحتاجه.

لا نريد أن نخسر الموروث.. ولا أن نخسر الجيل

ربما أجمل ما يمكن أن نفعله مع القهوة اليوم هو أن نعيد تقديمها للجيل الجديد بطريقة مختلفة.
لا نقول له: زماننا أفضل من زمانكم.
بل نقول له:

هذا تراثنا.. خذ منه ما يجعلك أكثر ارتباطًا بجذورك، وطوّره بما يناسب عصرك.

فليس مطلوبًا أن يترك الشاب مقاهيه، ولا أن تتخلى الفتاة عن ذوقها، ولا أن نعيش أسرى للماضي.

المطلوب فقط ألا تنقطع الصلة بين الكوب الذي في يده اليوم، والفنجال الذي كان في يد جده بالأمس.

أن يعرف أن وراء القهوة العربية قصة كرم، وأن وراء الدلة ذاكرة، وأن وراء الفنجال الصغير قيمًا أكبر من حجمه.

فلنُعد للقهوة معناها
اجعلوا في بيوتكم مجلسًا للقهوة.
علّموا أبناءكم كيف تُعد، ولماذا تُقدّم، وماذا يعني أن تقدم فنجانًا لضيفك.

اصنعوا معها ذكريات جديدة:
فنجان مع الأب،
وفنجان مع الأم،
وفنجان مع الجد،
وفنجان مع صديقٍ قديم.
ثم اتركوا أبناءكم يشربون قهوتهم بالطريقة التي يحبونها.
نريد أن نُورّثهم المعنى، لا أن نفرض عليهم الشكل.

فالتراث الذي لا يستطيع أن يتحدث مع الجيل الجديد، قد يتحول مع الوقت إلى صورة جميلة في الذاكرة فقط.

أما التراث الذي نعيد تقديمه بحب، ونسمح له أن يتطور دون أن يفقد روحه، فإنه يبقى حيًا.

القهوة ليست المشكلة.. الوعي هو الحكاية

لا مشكلة في مقهى جميل، ولا في فنجان فاخر، ولا في تجربة جديدة.

المشكلة حين تتحول الأشياء الجميلة إلى مقاييس للقيمة الاجتماعية، أو حين يصبح الإنفاق لإثبات الحضور أكبر من قدرتنا عليه.
لذلك، لنجعل أبناءنا يعرفون أن:
ليس كل ما نستطيع شراءه يستحق أن نشتريه.
وأن الاقتصاد ليس حرمانًا، بل وعي.
وأن الكرم ليس في قيمة ما نقدمه، بل في صدق ما نحمله للآخرين من مشاعر.

وفي الختام..

ستبقى القهوة بنتنا، وحبيبة مجالسنا، ورمز كرمنا الذي لا نريد له أن يموت.
لكننا لا نريد أيضًا أن نجعلها خصمًا لجيلنا الجديد.
نريد أن نحافظ على الدلّة، دون أن نحارب الكوب.
نحفظ الفنجال، دون أن نرفض الكأس.
نصون الموروث، دون أن نعزل الجيل عن عصره.

فالموروث الجميل ليس ما نضعه في المتحف، بل ما ننجح في أن نجعله حيًا في حياة أبنائنا.

القهوة الحقيقية لا تُقاس بسعرها، بل بدفء من تشربها معه.

فنجانٌ بسيط مع أمك، أو مع أبيك، أو مع صديقٍ صادق، قد يصنع في ذاكرتك شيئًا لا يستطيع أغلى مقهى أن يشتريه.

فلنشرب القهوة بوعي، ونكرم بها بكرم، ونحفظ بها بيوتنا وأموالنا، ونورث أبناءنا حكايتها قبل أن نورثهم فنجانها.
فربما كان أجمل ما يمكن أن نتركه للجيل القادم:
دَلّةٌ تحفظ الموروث،
وفنجانٌ يحفظ الكرامة،
ووعيٌ يحفظ المال،
وقلبٌ يعرف أن الكرم..
لا يُقاس بالسعر.
نوال السعد
المملكة العربية السعودية
المنطقة الشرقية – الدمام
@snaaa_team

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top