بقلم – د. سارة عبدالله عبدالعزيز المزيعل
عن المادة العزيزة التي لا تُباع في الأسواق ولا تصنعها المخططات أتحدث:
نحن نعيش في عصر يمتلئ بالنصائح، والورق الملون، والاستراتيجيات البراقة. الجميع يتحدث عن “التغيير”، والجميع يرفع شعار “الإصلاح”، وتكتظ المنصات والمكاتب بكلمات توجيهية ترنّ في الآذان ولكنها سرعان ما تتطايَر كالهباء!
هل تساءلت يوماً: لماذا تنجح نصيحة بكلمات بسيطة في تغيير مسار إنسان، بينما تفشل استراتيجية ممتدة في تحريك مؤشر أداء واحد؟
الإجابة تكشفت في جملة واحدة أطلقها نبي الله شعيب عليه السلام، لتلخص قانون التأثير الإنساني والقيادي عبر التاريخ: (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ).
• البيان الأول: كلمة “التوفيق” العزيزة
في القرآن الكريم، بكل معجزاته وآياته المتشعبة، لم تُذكر كلمة “تَوْفِيقِي” بكل تصاريفها الصريحة المباشرة للنجاح إلا مرة واحدة فقط!
هذه الفرادة ليست مصادفة لغوية؛ إنها رسالة حاسمة لكل قائد وموجه: التوفيق ليس سلعة مبتذلة، ولا مهارة مكتسبة في دورة تدريبية، ولا نتيجة حتمية لذكائك الإداري. التوفيق سرٌّ عزيز جداً، يملكه الله وحده، ولا يهبه إلا لمن استوفى شروطه.
فإذا ظننت يوماً أن خطتك تنجح لمجرد عبقريتك، أو أن نصيحتك أثرت لمجرد فصاحتك، فقد بدأت أولى خطوات السقوط، وأغلقت على نفسك باب السداد.
• البيان الثاني: معادلة الاصطفاء والإصلاح
إذا أردت أن تعبر كلماتك جدران القلوب، وأن يكتب الله لجهودك السداد، فعليك بضبط ثلاثة موازين لا تقبل المساومة:
- طهّر النصيحة من الأطماع
حين تنصح مرؤوساً، أو ترسم مساراً لمؤسسة، أو توجه شريكاً؛ اسأل نفسك في العزلة:
“هل أريد الإصلاح فعلاً؟ أم أبحث عن مأرب شخصي، أو نفوذ، أو استعراض للسيطرة؟”. متى ما خالطت النصيحة شائبة طمع شخصي، سُلبت منها روح البركة وتحولت إلى جفاء. - اغلق فجوة “القول والفعل”:
(وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ).. هذه هي الهوية التي يجب ان تظهر بها دائما؛ أن تطور محرك خطابك وأدواتك، دون أن تفرط في هوية الأمانة والقدوة. إن أشد ما يكسر هيبة الموجه هو أن ينهى عن التسويف وهو مسوف، أو يدعو للشياخة والعدل وهو يمارس الانحياز. - الاستغناء بالتجرد والتوكل
عندما تبذل غاية وسعك (مَا اسْتَطَعْتُ)، انفض يديك تماماً من ادعاء الفضل، وارفع رأسك نحو السماء قائلاً: (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ). أنت تبذل السبب، والنتائج والقبول والتوفيق بيد مالك الملك وحده.
• الموقف التنفيذي
“لا تقَس قوة القيادة بمدى الصوت، ولا بانتشار المنشورات؛ بل بتقوى السر وتجرد الغاية. كن مصلحاً يبتغي الخير حقيقة، صادقاً يتطابق قوله مع عمله، متواضعاً يعلم أن التوفيق ليس ملكه ولا بيده، بل هو فتح إلهي يفيض على من صدق”.
د. سارة عبدالله عبدالعزيز المزيعل
جميع الحقوق محفوظة ©

