بقلم – عبد المحسن الشقاق
أحب هذا الكاتب
لديه موهبة نادرة في اختراع الأشياء التي لم تجد لها الطبيعة اسما بعد تراه…
يجعل للظل مذاق، وللصمت عظام
ويضع في فم الساعة رمادا كي تعرف كم مضى من العمر…
ثم انظر اليه حين يكتب عن الحزن
يعلقه في سقف الغرفة ثم يجعله يقطر بدل الدموع دما على الأثاث.
صور تسمى بلاغية لا يفهمها أحد ولهذا تبدو عظيمة.
فالعبقرية في زمننا صارت قادرة على تحويل ارتباك القارئ إلى إعجاب
يكتب جملة تتعثر في منتصف الطريق
فيأتي أحدهم فيسمي التعثر دهشة
ويضع كلمة في غير موضعها فتولد حولها شروحات طويلة كأن اللغة هي التي أخطأت في فهمه ومع ذلك ارتفع اسمه.
الأرقام تحرسه من الأسئلة… كلما زاد عدد الذين يصفقون له صار السؤال أكثر وقاحه وكلما امتلأت شاشته بالقلوب
اتسعت المسافة بينه وبين الحرف
حتى صار له جمهور يعرفه قبل أن يقرأه
ويمدحه قبل أن يفتح كتابه ويشتري التصفيق ثم يعود ليصفق لمن دفع ثمنه
فحينما جاء البث المباشر له
هناك حدث شيء صغير جدا شيء لا يستحق عنوانا جلس الكاتب أمام الكاميرا…
انتظر لحظة التصفيق
ثم تكلم…
خرجت الكلمات هذه المرة من المكان الذي لا تستطيع الآلة الوصول إليه
الكلمة الأولى سقطت على الطاولة
الثانية بحثت عن الأولى
والثالثة فتحت فمها ولم تجد جملة
تلعثم في فكرة بسيطة ثم أعادها… أعادها بطريقة أخرى ثم نسي لماذا قالها أصلا
حاول أن ينقذ اللحظة بصورة قال جملة غريبة…
فسكت الجميع..
للمرة الأولى
لم يكن الصمت جزءا من النص
كان واقفا أمامه
ابتسم
تلك الابتسامة التي تظهر حين يكتشف الإنسان فجأة أن الحروف التي كانت تحمل صورته طوال الوقت
لم تكن معه، كانت تعمل وحدها.
انتهى البث…
وبقيت الشاشة مضاءة عاد الكاتب إلى صفحته إلى اسمه الكبير إلى آلاف الوجوه التي تعرف كيف تصفق له
قرأ
أنت عظيم
أنت مختلف
أنت ظاهرة
ثم فتح مسودته الجديدة
حاول ان بكتب سطرا
توقف
حاول أن يضع فيه صورة
بحث عن البحر فلم يجده
بحث عن القمر فلم يجده
بحث عن جرح يعلقه في السماء…
فوجد نفسه.
نظر إلى السطر طويلا ثم أغلق الصفحة
وفي الظلام ظل وجهه مضاء بالشاشة
أمام آلاف المتابعين
وللمرة الأولى لم يجد كلمة واحدة
تستطيع أن تتكلم عنه .

